كان الصباح بارداً، والمدينة تتنفس ببطء بعد ثلج ليلة كاملة. فتحت شباك الشرفة لأدفع عبق الفحم إلى الخارج، ورأيت علبة صفيح صغيرة وضعناها العام الماضي، بقايا شتلة تين ضعيفة بداخلها. لم أكن أنوي الكثير، فقط كفيانقناع أن أفعل شيئاً بسيطاً. فتحت التراب، شممت رطوبته، ملمست الجذور الرقيقة بين أصابعي، تذكرت صوت خالتي وهي تكرر فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا حين كنا نحف…
قبل أن أعلَم كيف أُسمي إيماني، قبل أن أتقن التحيات وأعرف أوقات الصلاة، كانت غرفتي في راشولم تبدو أكبر منّي. قبيل منتصف ليل يناير، وأنا وحيد في شقّتي الصغيرة، سمعت صفير الإبريق. بخار الشاي ملأ المطبخ، ومطر مانشستر يطرق الزجاج بمقاطع متقطعة. موضوع على الطاولة سجادة صلاة صغيرة، هويتِها على كرسي بلاستيكي. لم أتصل بوالدي منذ أشهر بعدما أخبرتهما أنني اعتنقت الإسلا…
أذكر ذلك الصباح كما أذكر طعم الشاي المِعدني: مرّ قليلاً مع حبة هيل، والشرار الصغير من الشمس على سطح الأقفاص المعدنية التي أصبحت منزلاً لنا. قبل أن أُحمل ملابسي إلى الغرفة الجديدة، فتشت صندوقًا قديمًا زرته أصابعي بلا وعي. كان داخله فارغٌ إلى أن شعرت بورقة رقيقة مطوية، رُحّلتها الريح عندما كنا نغادر. كان عليها خط أبي، لا أزال أعرفه في الحروف المتهدّلة: «إِنَّ…
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي.
صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات…
ولدت في كابل، ولكن في ذلك الصباح كنت في غرفة مستأجرة في مدينة لم تعن لي شيئًا غير اسمها على جواز سفري. النافذة مطلية بطلاء متقشر، والهواء يحمل رائحة خبز ووقود محروق من المطبخ المجاور. رمضان كان يجمعنا بعلامات صغيرة، ساعة تأخير في السحور، همسة دعاء خلف الستار.
فتحت المصحف القديم الذي أهدته إياي أمي قبل الرحيل، ورأيت السطر الذي ظننت أني أعرفه عن ظهر قلب، فَإِن…
أتذكّر الليلة التي قضيتها قبالة سرير ليلى في مستشفى بالرباط، ضوء الممر خفيف كالهمس، ورائحة المعقم تعانق رائحة شعرك الناعم. كان قلبها يغرد بهدوء عبر جهاز صغير، وصوت الطمأنينة الوحيد بالنسبة لي كان تلاوة آيات قليلة في هاتفي، عادتني آية: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم أقلّ كلمات كبيرة، قلتُ: «اللهم اشفِها»، وكرّرتُها كأنها نفس أدخل فيه الحياة إلى صدري.
جلس…
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي.
في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي…
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تف…
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئ…
المطر كان يهدر على سطح البيت عندما فتحت صندوق والدي. يدي كانت ترتعش من البرد والحنين. رائحة العود التي كان يحبها ما زالت عالقة في قطعة قماش صارت رمادية من الزمن. بين الصفحات وجدت ورقة صغيرة، خطه المختصر يقرأ: حسبي الله ونعم الوكيل. لم أتوقع أن كلمة بهذه البساطة قد تكسر شيء في صدري.
اتفقت مع زميلتي عائشة، التي أسلمت العام الماضي، أن تأتي لتجلس معي وتقرأ معي…
كنت أجلس قرب النافذة المطلة على الميناء في فريتاون، والملح يرفق في الهواء كذكرى كل صباح. كان دكاننا الصغير هادئا منذ أسابيع، الزبائن أقل، والديون أكثر، ومارياما تطبخ حساء العدس بصوت منخفض كما لو كانت تحفظ مساحة للصلاة. فكرت أن أغلق المحل لوقت أطول، أن أبحث عن عمل بعيدا عن بيع الصابون والبطاريات.
في تلك الليلة، لم أنم. حملت المصحف المدون بحروف زوجتي، صفحاتها…
أعود إلى شقّتنا الصغيرة في نيروبي بعد الجنازة كأنّي أدخل بيتًا لم يعد يعرف اسمه. الشمس تخترق النافذة بطباشيرٍ أصفر، والغبار يرقص فوق طاولة كانت أمّي تنظفها كلّ صباح. رأيت عباءتها معلّقة على مسند الكرسي؛ قماشتها ما زالت تفوح برائحة الهيل والأرز، رائحة تسألني عن الأيام البطيئة، عن الصلاة بين أجزائها. أبي جالسٌ في المطبخ، يهمس سورة يسّ بصوتٍ الجزء منه للمُصاب،…
كانت لي سنوات وأنا سائِق شاحنة، الطريق الطويل علمني الذكر والرضا بالمكتوب. ذات ليلة في الشتاء تعطلت الشاحنة خارج مدينة باتنة، رائحة المازوت تملأ الكابينة، والبرد يدخل من كل فتحة. حاولت الاتصال، لا إشارة، شعرت بأن كل حساباتي تنهار، موعد تسليم، مصاريف البيت، خبر والدتي عن ألم في ظهرها قبل أيام.
جلست أضع كفيّ على عجلة القيادة، قلت ببطء: إن مع العسر يسرا. لم أعر…
في السنة التي مرضت فيها أمي، تعلمتُ أن الصبر ليس صمتاً، بل هو أن تظل واقفاً بينما الأرض تهتز تحتك. كنت أجلس بجانب سريرها وأقرأ سورة يوسف، وأبكي حين تنام. لم أكن أعرف أن هذا صبر، حتى قال لي أبي: "ما تفعلينه الآن، يحبه الله." بعد سنة، لما رحلت، كنت أعرف أنني أعطيتها كل ما عندي.
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سود…
أتذكر ذلك الليل في مستشفى في عمان، كان رمضان، والساعات ثقيلة كالماء. في جناح الأطفال الخافق، رائحة الكلور تداخلت مع عبق الهيل في thermos إحدى الزميلات. أم صغيرة تضمد صدر مولودها المتعب، حنجرته لا تصدر سوى أنفاس رقيقة، وراقبنا جهاز التنفس كما لو كان قرص مفاتيح لمستقبلٍ صغير.
قضيت ساعات أطهرها بين قياسات وطمأنات وهمسات قرآنية أسمعها من هاتف في زاوية. تكررت دعو…
صباح في بورصة بعد رحيلها، كان البيت يتحدث بصوتٍ آخر. لم يعد هناك صفير الغلاية في المطبخ، ولا صوت ضحكتها وهي ترتب الأكواب، تركت ثغرة صغيرة في الروتين الذي اعتدت عليه خمسين سنة كمدرس، وأكثر من ذلك، خمسون سنة دروس تعلمتها خارج الصفوف. أمسكت المصحف القديم الذي اعتادت أن تقرأ منه، ورائحة الورق والنفحات من رائحة الحناء على حاشيته حملتني إلى أيام كانت الأصوات كلها…
كنت إمام المسجد الصغير في حي الحلة، أعرف الناس من أصوات خطواتهم قبل أن أراهم. في صباح دفن أم حسن، كانت الأرض رطبة من مطر الليل، ورائحة الطين مع خبز الكسرة تملأ الهواء. حملت جنازتها مع الرجال، ووقفت عند الرباط، وأذنت صلاة الجنازة بصوت كسير، وكأن الحنجرة نفسها تصدق أن شيئًا قد تغيّر.
بعد الدفن، رافقت ابنتها إلى المسجد، كانت تحبس البكاء في قفص من الصمت، وسلمتني…
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل.
قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للو…
حين مات أبي، فتحت خزانته ببطء، كأنني أخشى أن تغادر الذكريات إن مسستها بسرعة. رائحة العود كانت لا تزال في الثوب الأخير، رائحة تشبه وضوءه قبل الفجر. أمسكت بسجادة الصلاة المنسية، شعرت بنعومتها في يدي كما لو أن يده ما زالت هناك. قلتُ إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم دعوت له كأن الصوت يمر عبر غرفة فارغة.
بعد أشهر، حين رتبتُ أغراضه مع زوجتي سارة استعداداً لننتقل إلى…
ذات ليلة جلست بجانب سرير أمي في مستشفى قريب من البحر في داكار. الهواء يحمل رائحة مطهرات وموزاييك من أصوات المولد والبكاء البعيد. كانت يداها باردة تحت بطانية مطوية، وكنت أعد أزرار قميصها كما لو أن هذا سيعيد ترتيب الأيام. جدتي جاءت وهي تمسك كوب شاي بالنعناع، جلست بلا ضجيج وبدأت تدعو بصوت منخفض، كلمات اعتدتها منذ الطفولة، ثم همست: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.…
قبل أن أقبل الإسلام في مانشستر عام 2019، لم أكن أعرف رائحة المستشفى بهذا التفصيل. الآن أصبحت هذه الرائحة جزءا من ذاكرة أمام سرير أمي. كانت الشاشات تصدر نقرات بطيئة، وممرات المستشفى ضيقة ومبللة بنور شاحب. أمسكت يدها، كانت أصابعها برداء رقيق، وقلت بصوت خافت ما حفظته من قراءات بسيطة. هي لم تشاركني الدين، لكن عندما سقطت عصافير الكلمات من شفتي، بدا أنها تستمع.
ع…
كنا قد تزوجنا قبل ثلاث سنين، أنا وليلى، وغرفة مستأجرة في نابلس تكاد تسمع جدرانها تذكرنا بآراء الناس. الانتظار لنبأ صغير صار يضغط علينا كما يضغط الحطب في موقد صغير: أسئلة الأقارب، نكات الجيران، أصوات المواعيد التي لا تأتي. في إحدى الليالي، بعد شجار توقف عنده الكلام، خرجت ليلى إلى بيت أهلها. بقيت أنا وحدي، أُعدُّ الخطوات على سطح الحي، ورائحة الزيتون ممتدة في ا…
الوردي في ضوء الممر كان باهتاً، والطرابيزات المعدنية تنبض بصدى خطواتي. بعد مناوبة طويلة في مستشفى الأردن، بقيت رائحة المطهر في أظافري، وصوت أجهزة المراقبة يطبع الليل. حين أدرت ظهر الغرفة، سمعت رجلاً يهمس آية من القرآن، فقلتها معه بصوت خافت، فكانت فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا على شفاهه، وعلى لساني أيضاً.
المريضة التي ربتت على قلبي لم تشف جسدياً. لكن في تلك…
قبل رمضان الماضي كان البيت على شارع Mangga لا يهدأ عند السحور، طقم الملاعق يقرع كأس الطبخ، رائحة tempe goreng تتصاعد مع بخار الأرز. كنت مستيقظة منذ منتصف الليل، أراقب أمِّي تغالب الألم بعد العملية، وزوجي عريف يجلس على طرف السرير بيدٍ متشابكة، عيوننا كلها تعب. المرض صنع فجوة صغيرة بيننا، ليست غريبة فقط لأنها جسدية، بل لأنها حملت صمتًا وخوفًا لم نعهدهما.
في أ…
في صباح حار من أيامات الصيف بالكويت، اتصل بي سائق الشاحنة بصوت مرتعش، أخبرني أن الحاوية التي تحمل بضاعتي تعثرت قبالة الميناء، كلها رطبة أو مفقودة. جلست على رصيف متجرنا القديم، رائحة الديزل والدخان تدخل من الشارع، والضوء الفلوري يهتز فوقي. الأرقام على دفتر الحسابات تبدو بلا روح، والقلب يدق كما يدق الباب في منتصف الليل.
لم أذهب مباشرة إلى حسابات البنوك، خرجت إ…
كنت أتصور الصبر بشيء كبير، اختبار طويل ينتظرني خلف باب. في إحدى مساءات لا تهدأ فيها ردة قطار ولا رائحة دال chawal من بقالة الحي، جلست على طاولة المطبخ أصحح دفاتر. المطر خفيف، والطباشير تحت أظافري، ورائحة الحبر تشبه ذاكرة الامتحانات. كان فؤاد، زوجي، يضع كوب الشاي أمامي بهدوء، يعرق من شدة العمل الذي لم يرد الحديث عنه. لم يقل ما أخافه، وكأن الصمت كان يشرح له ال…
في رمضان الفائت، قبل أن يشرق الفجر، جلست على شرفة شقتي في بيروت. الشارع كان لا يزال ناعسًا، ورائحة القهوة بالهيل تتسلل من شباك الجيران. كانت هناك سترة صغيرة طويت على الكرسي، بقيت معها طويلاً بعد انفصالنا. لم أستطع رميها، ولا فتحها، كانت مثل رسالة لم تُقرأ.
أحضرت سجادتي القديمة، تلك التي كانت معي في تغطيات الحروب والاحتفالات، وضعتها على الأرض. خشونتها تحت ركب…
كان الصباح بارداً، والمدينة تتنفس ببطء بعد ثلج ليلة كاملة. فتحت شباك الشرفة لأدفع عبق الفحم إلى الخارج، ورأيت علبة صفيح صغيرة وضعناها العام الماضي، بقايا شتلة تين ضعيفة بداخلها. لم أكن أنوي الكثير، فقط كفيانقناع أن أفعل شيئاً بسيطاً. فتحت التراب، شممت رطوبته، ملمست الجذور الرقيقة بين أصابعي، تذكرت صوت خالتي وهي تكرر فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا حين كنا نحفر خنادق من الذكريات بعد الحرب. ليلى كانت لا تزال نائمة في الغرفة، أنفاسها بطيئة، شعري الأبيض عند صدغيّين يذكرني بزمنٍ من الصبر. غسلت يدي بالماء البارد، وسألت ربي بصوت خفيف، دعاء لم أعلنه يوماً كبيراً، فقط رَبِّ يَسِّر. غرزت الشتلة في العلبة، ضغطت التراب حولها كما يضم الرجل من يحب في وقت الخوف. لم يحدث شيء عظيم في ذلك اليوم سوى صمتٍ طويل، وصمتٌ جميل. بعد أسابيع صغيرة بدأ ورقة جديدة تلوح. لم يعد عملي جارياً لإثبات شيء، بل ممارسة صبرٍ بسيط، وفعل محبة صغير، أثر يتركه شيء حي فوق الشرفة، فوق المدينة، فوق قلوبنا.
قبل أن أعلَم كيف أُسمي إيماني، قبل أن أتقن التحيات وأعرف أوقات الصلاة، كانت غرفتي في راشولم تبدو أكبر منّي. قبيل منتصف ليل يناير، وأنا وحيد في شقّتي الصغيرة، سمعت صفير الإبريق. بخار الشاي ملأ المطبخ، ومطر مانشستر يطرق الزجاج بمقاطع متقطعة. موضوع على الطاولة سجادة صلاة صغيرة، هويتِها على كرسي بلاستيكي. لم أتصل بوالدي منذ أشهر بعدما أخبرتهما أنني اعتنقت الإسلام. كل رسالة لم تُردّ عليها جعلت قلبي يثقل. قمت غسلت يدي، صليت ركعتين بصوت هادئ، وقلت دعاء بسيط بين الصمت، اللهم إني أسألك شفاءً للقلب. تذكرت الآية، فمع العسر يسرا. لم تكن معجزة فورية. كانت لحظة صبر، تنفس، ثم مواصلة يوم آخر. عندما جلست لأرتشف الشاي، رنّ هاتفي. رسالة من أختي، كلمة وحيدة، هل أنت بخير؟ جلست أقرأها وأشعر بأن شيئًا في صدري يلين. لم تُحل كل الأشياء، لكن ذاك المساح الذي فتحته الصلوات والدعاء كان بداية الشفاء. الصبر هنا لم يكن انتظارًا فارغًا، بل فعل صغير من الاستمرار.
أذكر ذلك الصباح كما أذكر طعم الشاي المِعدني: مرّ قليلاً مع حبة هيل، والشرار الصغير من الشمس على سطح الأقفاص المعدنية التي أصبحت منزلاً لنا. قبل أن أُحمل ملابسي إلى الغرفة الجديدة، فتشت صندوقًا قديمًا زرته أصابعي بلا وعي. كان داخله فارغٌ إلى أن شعرت بورقة رقيقة مطوية، رُحّلتها الريح عندما كنا نغادر. كان عليها خط أبي، لا أزال أعرفه في الحروف المتهدّلة: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». تحتها، بخطٍّ أندركه الآن أقلّ ادعاءً وأكثر خوفًا، كتَبَ: «سامحني إن قصّرت». جلستُ على الأرض من دون أن أسمع ضجيج الشارع؛ رائحة العدس من المطبخ البعيد، صوت تكبيرة من سقف الحي. صلّيتُ، ثم همستُ توبة ليست مُنظَّمة، لا خطب فيها ولا وعود كبيرة، فقط اعتراف صغير: اشتقت، وغضبت، وأخطأت حين ظننت أن الخسارة تمحو كل شيء. الورقة بين يدي دفعتني لأن أرجع إلى أمرٍ واحد: أن أقبل ما بقي. لم يعد المنزل جدرانًا فقط، بل سطر صغير بخط أبي، ودعاء قديم يثبت قلبي على الصبر. لم تزحزحني الخسارة؛ لكن عندما أضع الورقة بجانب المصحف، شعرتُ أن شيئًا منّي عاد إلى موضعه.
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي. صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات النوارس. قلت بصوت خفيف، "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، وقلت بعدها دعاء لا أصل له سوى تنهيدة، "يا رب، ما لي إلا أنت". لم يحدث شيء خارق. لم تصل وظيفة من السماء، ولم تفتح أبواب في تلك اللحظة. لكن شيء صغر في صدري، كأن ثقلًا قد توقف عن الضغط. قبل أن أغادر، مدّ لي رجل عجوز كوب شاي، قال بعينين لا تحكمان، "توكل، يا بني، كله بيد الله". لم تكن نصيحة جديدة، لكنها كانت هداية جاءت في لحظة جاهزة للاستقبال. عدت عبر الجسر بخطوات أخف، ومعي يقين هادئ أن الطريق قد لا يكون مفروشًا، لكنه ليس وحيدًا.
ولدت في كابل، ولكن في ذلك الصباح كنت في غرفة مستأجرة في مدينة لم تعن لي شيئًا غير اسمها على جواز سفري. النافذة مطلية بطلاء متقشر، والهواء يحمل رائحة خبز ووقود محروق من المطبخ المجاور. رمضان كان يجمعنا بعلامات صغيرة، ساعة تأخير في السحور، همسة دعاء خلف الستار. فتحت المصحف القديم الذي أهدته إياي أمي قبل الرحيل، ورأيت السطر الذي ظننت أني أعرفه عن ظهر قلب، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم يحدث شيء خارق بعد قراءته، لم تهطل رزق مفاجئ، لكن يديان توقفتا عن ارتعاشهما. الطلب الذي كنت أكرره في الخفاء، اللهم ارزقني الصبر، صار أقل تشويشًا. خرجت لأغسل كوب الصباح، وأعطيته بجوار الباب لجارة صغيرة تقلق على طفلها المريض. لم تكن هدية عظيمة، لكنها أثبتت لنفسي أن الصبر فعل، ليس مجرد انتظار. في صوت الأذان البعيد، شعرت ببيت صغير يقيم في صدري، بيت لا يحتاج إلى عنوان ليبقى موطناً. هناك، مع رائحة الشاي المرة وورق المصحف بين يدي، أدركت أن الصبر لا يزيل الليل دفعة واحدة، لكنه يجعل كل فجر ممكنًا.
أتذكّر الليلة التي قضيتها قبالة سرير ليلى في مستشفى بالرباط، ضوء الممر خفيف كالهمس، ورائحة المعقم تعانق رائحة شعرك الناعم. كان قلبها يغرد بهدوء عبر جهاز صغير، وصوت الطمأنينة الوحيد بالنسبة لي كان تلاوة آيات قليلة في هاتفي، عادتني آية: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم أقلّ كلمات كبيرة، قلتُ: «اللهم اشفِها»، وكرّرتُها كأنها نفس أدخل فيه الحياة إلى صدري. جلستُ على كرسي بلاستيكي بارد، أطبّق بطانيتها الصغيرة، أعدُّ أنفاسي مع كل طيّة. كُنتُ أصنع لها شاي النعناع بماءٍ من آلة في الردهة، رائحة النعناع كانت ترفقنا كما لو أن شيئًا بسيطًا من بيتنا جاء ليلحظ الألم. قبل الفجر خرجت لأوضأ من حنفية صغيرة، الماء البارد كشحذ، وصليتُ ركعتين على سجادةٍ صغيرة، لم أخبر أحدًا أني أحسست حينها بأن شيئًا قد انفتح داخلي. التحوّل لم يكن صرخة احتفال، بل ابتسامة صغيرة عندما شربت ليلى قليلًا من الحليب. في ذاك الصباح فهمتُ أن الصبر ليس انتظارًا مؤقتًا فقط، بل تنفّسٌ رقيق ومتواصل: تلاوة، دعاء، طيّ بطانية، شاي نعناع، أشياء تترك أثرًا. خرجنا إلى البيت بعد أيام، ورائحة النعناع في المطبخ كانت تحكي لي أن الأثر بقي.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي. في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي، أشياء صغيرة لكنها حقيقية. عندما هدأت الأنظمة قليلاً همست آية: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». لم تكن كلمات طبية؛ كانت بذرة ثقة. الجراحون فعلوا ما عليهم. لكن تحوّلي بدا في لحظة قصيرة بعد الظهر: وضعت سجادًا للصلاة بجانبي لتهدئة نفسي، أقمت صلاتي كأنها وعد، لا بدّ أن أُسلّم أمري. لم يحدث شيء درامي، لا معجزة مفاجئة، فقط هدوءٍ دخل جسدي وقلبي معًا. الطبيب الذي اعتاد أن يعالج الآخرين عرف أخيرًا أن الشفاء قد يكون قبلة هادئة على جبين الخوف، وأن التوكل أحيانًا هو الدواء الذي يكمل العلاج.
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تفنّن، كأنني أذكرها لها ولنفسي. بللت شفتَيها بمنديل مبلّل، ثم مسحت يدي بالرائحة المألوفة للزيت الأسود الذي تستعمله لتدليك رأسها منذ طفولتي. عندما وضعتُ الملعقة على شفتيها، أمسكت بيدِي فجأة وبسطت أصابعها حول إصبعي ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة منذ أيام. لم يَشفَ كل شيء بين ليلة وضحاها، لكن تلك القبضة كانت نقطة تحوّل: كلمةُ سكينةٍ من جسد هش، باركةٌ صغيرة في زمنٍ متعب. في الصباح التالي جلست أُصَلِّي، وأدعو أن يكون الشفاءُ أثراً يستمر، أثرٌ لا يمحى.
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئًا بأشياء لا تُحكى. سجدت، وجلست هكذا، أكرر دعاءً صغيرًا قالتها أمي مرة عبر الهاتف حين كنت شابًا مشوشًا. في السجود شعرت ببرودة السجادة على جبيني، وصوت المطر صار أقرب، وشيئًا داخل صدري بدأ يخف. تذكرت: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ. لم تحَل كلّ الأشياء فورًا، لم تُصافحني الإجابات، لكن انفتاح الصدر كان حقيقياً. بعد الصلاة اتصلت بأخي بصوت رقيق، لم نحل كل شيء في تلك المكالمة، لكني شعرت أن شيئًا ما التئم، بصمت، في بيتنا الصغير.
المطر كان يهدر على سطح البيت عندما فتحت صندوق والدي. يدي كانت ترتعش من البرد والحنين. رائحة العود التي كان يحبها ما زالت عالقة في قطعة قماش صارت رمادية من الزمن. بين الصفحات وجدت ورقة صغيرة، خطه المختصر يقرأ: حسبي الله ونعم الوكيل. لم أتوقع أن كلمة بهذه البساطة قد تكسر شيء في صدري. اتفقت مع زميلتي عائشة، التي أسلمت العام الماضي، أن تأتي لتجلس معي وتقرأ معي بعض الصفحات. جلبت لها ترمس شاي بالهيل، وجلست تقرأ بصوت لم يعتده البيت من قبل. هي لم تكن قارئة متقنة، لكن نبرتها كانت صادقة. وصلت إلى آية، إن مع العسر يسرا، وأعادتها كما لو كانت تركز على كل لفظ. في تلك اللحظة تغيرت مساحة الفقد. ليس أنني نسيته أو أنني أصبحت أقل وجعا، لكن وجود ذاك الصوت ومعنى الكلمات جعلا الحزن يرتب نفسه بطريقة يمكنني أن أتحملها. قلت دعاء صغيرا، يا الله ارحمني، ثم صليت ركعتين هنا في الصالون، بجانب الصندوق. الخسارة بقيت، لكنها تركت أثرا آخر، أثرا يذكرني أن الإيمان يمكن أن يظهر في هامش ورقة، وفي صوت جديد يتعلم القراءة.
كنت أجلس قرب النافذة المطلة على الميناء في فريتاون، والملح يرفق في الهواء كذكرى كل صباح. كان دكاننا الصغير هادئا منذ أسابيع، الزبائن أقل، والديون أكثر، ومارياما تطبخ حساء العدس بصوت منخفض كما لو كانت تحفظ مساحة للصلاة. فكرت أن أغلق المحل لوقت أطول، أن أبحث عن عمل بعيدا عن بيع الصابون والبطاريات. في تلك الليلة، لم أنم. حملت المصحف المدون بحروف زوجتي، صفحاتها قديمة وموشومة بملاحظات بأقلام ملونة، وجلست على الأرض. فتحت على سور الفجر، صارت الآية أمامي، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، ولم تكن كلمات مجرد نص، بل نَسْمَة على جبين متعب. لم يحدث شيء درامي بعدها، لا مبلغ فجائي ولا معجزة تلوح. لكن في الصباح جاءت أم سانو من السوق ومعها كيس من الأرز، ثم جاء جارنا حسن وعرض أن يشاركنا رحلة صيد غدا. مارياما ضحكت، نقشت دعاء صغير على حافة كفها، وقالت فقط، دعنا نتحمل. الصبر لم يغيّر الخطر، لكنه أنقانا من الاستسلام، وترك أثرا فينا يثبت أننا سنواصل.
أعود إلى شقّتنا الصغيرة في نيروبي بعد الجنازة كأنّي أدخل بيتًا لم يعد يعرف اسمه. الشمس تخترق النافذة بطباشيرٍ أصفر، والغبار يرقص فوق طاولة كانت أمّي تنظفها كلّ صباح. رأيت عباءتها معلّقة على مسند الكرسي؛ قماشتها ما زالت تفوح برائحة الهيل والأرز، رائحة تسألني عن الأيام البطيئة، عن الصلاة بين أجزائها. أبي جالسٌ في المطبخ، يهمس سورة يسّ بصوتٍ الجزء منه للمُصاب، واليدان اللتان علّمتاني كيف أربط الحجاب ترتعشان حين يمرّ فنجان القهوة بين أصابعه. جلست على الأرض، أمسحُ القماش بعصاٍ من الشوق. لقد كنت غاضبة قبل موتها: كلمات لم تقُل، أوقات لم أعدها. فجأةً رفعت قدميّ طارقًا إلى الوضوء، وركعت ركعتين لا أعرف إن كانت توبة أم صلاة. في السجود قلتُ: اللهم اغفر، وخففتُ من توقعاتي، وظهرت آية في قلبي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم تختفِ الخسارة، لكن داخل حزنها كان هنالك مد وجزر من رحمةٍ صغيرة؛ أمّي تترك أثرها كخيطٍ أبيض في قماشٍ قديم. نمتُ قليلاً بجانب عباءتها، وأحسست أنّي أستطيع أن أبدأ من جديد، بخطواتٍ صغيرة، وبدعاءٍ هادئ.
كانت لي سنوات وأنا سائِق شاحنة، الطريق الطويل علمني الذكر والرضا بالمكتوب. ذات ليلة في الشتاء تعطلت الشاحنة خارج مدينة باتنة، رائحة المازوت تملأ الكابينة، والبرد يدخل من كل فتحة. حاولت الاتصال، لا إشارة، شعرت بأن كل حساباتي تنهار، موعد تسليم، مصاريف البيت، خبر والدتي عن ألم في ظهرها قبل أيام. جلست أضع كفيّ على عجلة القيادة، قلت ببطء: إن مع العسر يسرا. لم أعرف أني أرددها حتى أصبحت جزءا من التنفس. نمت قليلا على المقعد، واستيقظت على طرق خفيف على الزجاج. فتح رجل بسيط باب الشاحنة، معه إبريق شاي دافئ وبسكويت، عينه فيها ستر الحنان كعيون أبي. قال إنه صاحب مطعم صغير على الطريق، وظهر أن حفيده بدأ يقرأ القرآن بعد استماعه لتلاوة قديمة. طلب مني أن أترك الشاحنة وسأساعده في تصليحها بلا أجر. بينما الشاي يدفي يديّ سمعت في داخلي هدوءا جديدا، صبر لا يذوب عند أول امتحان. حين وصلت البيت بعد الظهر، رأيت في عينَي والدتي تسليما، وفي يد أبي أثر إصلاح قديم على الأصابع. الصبر الذي علمني الطريق كان هدية، ليس لأنها خلّصتني من المشكلة، بل لأنها جعلتني أرى الهداية في كوب شاي وبسمة غريب.
في السنة التي مرضت فيها أمي، تعلمتُ أن الصبر ليس صمتاً، بل هو أن تظل واقفاً بينما الأرض تهتز تحتك. كنت أجلس بجانب سريرها وأقرأ سورة يوسف، وأبكي حين تنام. لم أكن أعرف أن هذا صبر، حتى قال لي أبي: "ما تفعلينه الآن، يحبه الله." بعد سنة، لما رحلت، كنت أعرف أنني أعطيتها كل ما عندي.
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سودت بأصابعها. همست آية، إن مع العسر يسرا، وكل حرف بدا له وزن على صدري المكتوم. لم أكن أبحث عن إجابات، فقط عن دفء يثبت أنني لا زلت أتنفس بعد كل ما انتهى. قمت لأغتسل، الماء البارد على يديين، ثم على وجهي، صوت الماء كصلاة قصيرة. ركعت ثم سجدت، ولم يكن السجود حلما، بل لحظة بسيطة حيث شعرت أن ذاك الخيط القديم من الأمان يعود لي، شيء كفّ على قلبي. في الصباح، عندما وصلتها رسالة من صديقتي عائشة تقول فقط، "أنا هنا"، لم تنتهِ الجراح، لكنني فهمت أن الشفاء أحيانًا يبدأ بصوت قرآن، بكوب شاي، وبوجود قريب يحبك بلا شروط.
أتذكر ذلك الليل في مستشفى في عمان، كان رمضان، والساعات ثقيلة كالماء. في جناح الأطفال الخافق، رائحة الكلور تداخلت مع عبق الهيل في thermos إحدى الزميلات. أم صغيرة تضمد صدر مولودها المتعب، حنجرته لا تصدر سوى أنفاس رقيقة، وراقبنا جهاز التنفس كما لو كان قرص مفاتيح لمستقبلٍ صغير. قضيت ساعات أطهرها بين قياسات وطمأنات وهمسات قرآنية أسمعها من هاتف في زاوية. تكررت دعوات بسيطة على شفتي، ليس تأمرا بالطبع، بل لأن الصبر يصبح صلاة عندما يصير فعل يومي. قلت لنفسي فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واقتربت لأمسح عرق أُمٍ بردُّها. عند فجر اليوم الرابع، بينما كانت المدينة تصحو وإذان الفجر يقترب، فتح المولود عينيه وارتشف أول لبنة حليب. شعرت برعشة لطيفة في يدي، والدموع لم تكن حزن بل سلام. لم تختفِ الأسئلة، لكن صبر القلب تبدل إلى يقين هادئ أن الشفاء بيد الله، وأن الصبر هنا كان سيرة صغيرة تترك أثرها في صدر أم وجناح مستشفى.
صباح في بورصة بعد رحيلها، كان البيت يتحدث بصوتٍ آخر. لم يعد هناك صفير الغلاية في المطبخ، ولا صوت ضحكتها وهي ترتب الأكواب، تركت ثغرة صغيرة في الروتين الذي اعتدت عليه خمسين سنة كمدرس، وأكثر من ذلك، خمسون سنة دروس تعلمتها خارج الصفوف. أمسكت المصحف القديم الذي اعتادت أن تقرأ منه، ورائحة الورق والنفحات من رائحة الحناء على حاشيته حملتني إلى أيام كانت الأصوات كلها قليلة، لكنها حاضرة. خرجت إلى الشارع حيث أذان الفجر يصعد من مئذنة الحي، شعرت بأن قلبي يحتاج إلى شيء ملموس. في المسجد، وقف طفل من جيراننا يقرأ الفاتحة بصوت مرتعش ثم صار أقوى، وحين انتهى، لمس صورة صوته شيئاً في داخلي كأنها صفحة طويت لتبقى أثرًا. في الطريق إلى البيت، وجدت فنجان الشاي على الطاولة، حافة فيه أثر من شفتيها، لم يكن كبيراً، لكنه كافٍ. جلست، فتحت المصحف عند آية صغيرة تذكرنا بأننا إلى الله راجعون، همست بدعاء بسيط، ثم غليت ماءً للثاني. الخسارة لم تمحنا، لكنها تركت آثارًا نعيد قراءتها، ونبني بها صباحات جديدة.
كنت إمام المسجد الصغير في حي الحلة، أعرف الناس من أصوات خطواتهم قبل أن أراهم. في صباح دفن أم حسن، كانت الأرض رطبة من مطر الليل، ورائحة الطين مع خبز الكسرة تملأ الهواء. حملت جنازتها مع الرجال، ووقفت عند الرباط، وأذنت صلاة الجنازة بصوت كسير، وكأن الحنجرة نفسها تصدق أن شيئًا قد تغيّر. بعد الدفن، رافقت ابنتها إلى المسجد، كانت تحبس البكاء في قفص من الصمت، وسلمتني ورقة صفراء، كتبت أم حسن قبل أسابيع بخط قديم، كلمات بسيطة: ادعوا لي. وضعت الورقة في جيبي، وجلست على حافة البهو أحتسي شايًا من فنجان طين، طعمه مالح من الدخان والذكريات. قالتُ بصوت لا أريده أن يكون قويًا فقط، إنما واثقًا: اللهم اغفر لها، واجعلها من أهل رحمته. تكررت الأدعية وكأنها إبرة تخيط ثوب القلب الممزق. اللحظة الصغيرة هذه، لم تزيح الحزن، لكنها جعلته له حضور مختلف، حضور يطلب، لا يصرخ. في المساء، كتبت اسمها على دفتر المسجد، لأذكر الرجال في الصلاة، ليس كفقدان فحسب، بل كأثر يدعو إلى دوام الرحمة.
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل. قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للوقوف وحيداً ثمّ ليس وحيداً. غسلت يديين في الحوض القديم، ثم صليت ركعتين، لم أخطب، فقط دعوتُ: يا رب ارحمه، وذكرْتُ آيةٍ جاءتني في سكون الصلاة، إن مع العسر يسرا. لم تكن المعجزة انفجاراً، بل صوت أمّي عبر الهاتف تقول بصوت مختنق: لم أتخذ وقتاً كافياً، أنا آسفة. التئم شيء ببطء. لم تختفِ الخسارة، لكن شعرت أن أثراً قد وُضع، أثرٌ صغير من صبر ودعاء ومسامحة. خرجت من البيت والشارع لامع، وأخذت معي رائحة الشاي على معصمي، وتذكرت أن الشفاء لا يعلن نفسه، بل يترك أثراً.
حين مات أبي، فتحت خزانته ببطء، كأنني أخشى أن تغادر الذكريات إن مسستها بسرعة. رائحة العود كانت لا تزال في الثوب الأخير، رائحة تشبه وضوءه قبل الفجر. أمسكت بسجادة الصلاة المنسية، شعرت بنعومتها في يدي كما لو أن يده ما زالت هناك. قلتُ إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم دعوت له كأن الصوت يمر عبر غرفة فارغة. بعد أشهر، حين رتبتُ أغراضه مع زوجتي سارة استعداداً لننتقل إلى بيتنا، وجدنا ظرفاً صغيراً بين طي القمصان. كان خطه، كلمات قصيرة: كن لطيفاً، واستمع أكثر من أن تتكلم. ضحكت سارة بصوتٍ خافت وقالت، كان والدي يفعل ذلك مع الجميع. لم يكن الكلام تعليماتّ فقط، كان طريقة للحب. وقفتُ أمام صورة له على الرف، الشمس تدخل من نافذة المطبخ، وزوجتي تصنع القهوة بكأسه القديم. شعرت أن فقده لم يقلل من حبه، بل جعله حاضراً في أفعالنا. صلّيتُ ركعتين، طلبت الرحمة، ثم دخلت البيت الجديد أحمل أثره معي، كخيط رقيق يربط بيني وبين ما تبقى من حنانٍ ودفء.
ذات ليلة جلست بجانب سرير أمي في مستشفى قريب من البحر في داكار. الهواء يحمل رائحة مطهرات وموزاييك من أصوات المولد والبكاء البعيد. كانت يداها باردة تحت بطانية مطوية، وكنت أعد أزرار قميصها كما لو أن هذا سيعيد ترتيب الأيام. جدتي جاءت وهي تمسك كوب شاي بالنعناع، جلست بلا ضجيج وبدأت تدعو بصوت منخفض، كلمات اعتدتها منذ الطفولة، ثم همست: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. فعلتُ ما أعرفه، صليت الفجر في زاوية الغرفة، رأسي على الجهة كما لو أن الصلاة تربطني بشيء صلب. ليست مفاجأة، ولكن في تلك اللحظة شعرت أن الصبر ليس تسليمًا فقط، بل فعل صغير مستمر، حيّ في قبضتنا على يد أمي وفي شرب الشاي البارد الذي أحضته جدتي لي. عندما فتحت أمي عيناها، قبضت إصبعي، كان ذلك طوق رجاء بسيط. لم تختفِ المخاوف، لكنها تلاشت قليلا، مثل ضوء الفجر الذي يظهر على نوافذ المستشفى، يترك أثرا. هذا الأثر، صبرٌ يورثه الأهل، بقي معي.
قبل أن أقبل الإسلام في مانشستر عام 2019، لم أكن أعرف رائحة المستشفى بهذا التفصيل. الآن أصبحت هذه الرائحة جزءا من ذاكرة أمام سرير أمي. كانت الشاشات تصدر نقرات بطيئة، وممرات المستشفى ضيقة ومبللة بنور شاحب. أمسكت يدها، كانت أصابعها برداء رقيق، وقلت بصوت خافت ما حفظته من قراءات بسيطة. هي لم تشاركني الدين، لكن عندما سقطت عصافير الكلمات من شفتي، بدا أنها تستمع. عندما أخذت نفسها الأخير، شعرت بأن غرفة صغيرة انفتحت داخل صدري. قلت "إنا لله وإنا إليه راجعون" بلا تدريب، كما يقول القلب. انتظرت أن يزول الصمت، لكنه بقي، ولكنه لم يكن فارغا. خرجت إلى سلالم المستشفى، مطر مانشستر على صدري، وفتحت سجادة الصلاة الصغيرة التي كنت أخفيها في حقيبتي منذ أيامي الأولى كمسلم، وصليت ركعتين على ضوء خفيف. لم أعد أزعم أنني أفهم كل شيء. فقدها ظل ثقلا، وعزلتي كانت حقيقية، لكن في ركعتين استطعت أن ألمس أثر. أثر لا يمحو الحزن، لكنه يترك بصمة قابلة للحمل.
كنا قد تزوجنا قبل ثلاث سنين، أنا وليلى، وغرفة مستأجرة في نابلس تكاد تسمع جدرانها تذكرنا بآراء الناس. الانتظار لنبأ صغير صار يضغط علينا كما يضغط الحطب في موقد صغير: أسئلة الأقارب، نكات الجيران، أصوات المواعيد التي لا تأتي. في إحدى الليالي، بعد شجار توقف عنده الكلام، خرجت ليلى إلى بيت أهلها. بقيت أنا وحدي، أُعدُّ الخطوات على سطح الحي، ورائحة الزيتون ممتدة في الهواء البارد. جلست والنجوم تطالع المزاريب، وحاولت أن أقرأ آية حافظت عليها منذ الصغر: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوٰةِ». لم يأتِ الصبر كسحابة جاهزة؛ جاء كدعاء قلتُه مرارًا في السجود: «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا». بكى الفؤاد من خجل، وخرجت كلمات الاعتذار قبل أن أنويها، استغفار وتوبة لم أظنّ أني سأحتاجها بهذه البساطة. عدتُ، وفتحَت ليلى الباب بصمت يقتل الفخر. كلمتا آسف وسمحتِ لهما أن تبنيا غرفة لنا جديدة: صباحات قهوة، صلاة معًا، وصفحات صغيرة من الكلام لا تُرى إلا عندما يصمت الغضب. بعد شهور جاء الخبر المنتظر. لم يزل الانتظار يعلمنا أن الصبر ليس سكونًا بل عمل متواضع: توبة، وعدفاء، ويد تعيد بناء البيت من حديثها قبل الحجر.
الوردي في ضوء الممر كان باهتاً، والطرابيزات المعدنية تنبض بصدى خطواتي. بعد مناوبة طويلة في مستشفى الأردن، بقيت رائحة المطهر في أظافري، وصوت أجهزة المراقبة يطبع الليل. حين أدرت ظهر الغرفة، سمعت رجلاً يهمس آية من القرآن، فقلتها معه بصوت خافت، فكانت فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا على شفاهه، وعلى لساني أيضاً. المريضة التي ربتت على قلبي لم تشف جسدياً. لكن في تلك اللحظة، بينما أمسك بيده وأسمع ترديد الآية، شعر شيءٍ في صدري يرتخي. لم يكن الحل سريراً أفضل أو دواءً جديداً، بل وجود صوت، ومشاركة نفس الدعاء، وراحة القلب. عندما رجعت إلى البيت، وجدت سامي قد غلى شاي النعنع، وضع كوباً دافئاً بين يدي، ووضع كفه على كفي كما لو كان يخبئ قلبي الممزق في راحة يده. جلسنا نصلي معاً صلاة المساء، لم نطلب دائماً شفاء معجزي، قلنا يا شافي، ثم تركنا الصمت. الشفاء جاء كأثر صغير، لا يزيل كل الجروح، لكنه يجعلها تقرأ الحياة من جديد.
قبل رمضان الماضي كان البيت على شارع Mangga لا يهدأ عند السحور، طقم الملاعق يقرع كأس الطبخ، رائحة tempe goreng تتصاعد مع بخار الأرز. كنت مستيقظة منذ منتصف الليل، أراقب أمِّي تغالب الألم بعد العملية، وزوجي عريف يجلس على طرف السرير بيدٍ متشابكة، عيوننا كلها تعب. المرض صنع فجوة صغيرة بيننا، ليست غريبة فقط لأنها جسدية، بل لأنها حملت صمتًا وخوفًا لم نعهدهما. في أحد أيامه، استيقظت قبل الأذان، جلست على الشرفة، الهواء لا يزال رطبًا من مطر المساء. سمعت صوت المذياع من المطبخ، صوت أمّي تدعو بصوت خافت، ثم تلاها أذان الفجر من الجامع القريب. تذكرت آية، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، كررتها ثلاث مرات بصوتٍ خفيض حتى شعرت أن قلبي يخف. عدت إلى الداخل، جلست إلى جانب عريف ووضعت يدي على يدِه، كانت يده باردة، قلت بصوت لا يخصني وحدي، اللهم اشفه لنا واصلح بيننا. لم تحلّ كل الأمور في تلك اللحظة، لكن شيئًا رقيقًا انكسر، سكبنا قهوةً صغيرة، وتبادلنا ضحكة ضعيفة. الفجر لم يداويني بمعجزة، لكنه أعادنا لبعضنا، وكان ذلك بداية الشفاء.
في صباح حار من أيامات الصيف بالكويت، اتصل بي سائق الشاحنة بصوت مرتعش، أخبرني أن الحاوية التي تحمل بضاعتي تعثرت قبالة الميناء، كلها رطبة أو مفقودة. جلست على رصيف متجرنا القديم، رائحة الديزل والدخان تدخل من الشارع، والضوء الفلوري يهتز فوقي. الأرقام على دفتر الحسابات تبدو بلا روح، والقلب يدق كما يدق الباب في منتصف الليل. لم أذهب مباشرة إلى حسابات البنوك، خرجت إلى المسجد القريب، جلست ركعتين صدقا بلا ترتيب، تذكرت آية قالها لنا والدي في صغري، إن مع العسر يسرا. قلت حسبي الله ونمت على ذاك المقعد إلى أن ناداني صاحب المحل المجاور بابتسامة بسيطة، وأعطاني كوب شاي. عند عودتي فتحت صندوقا من البضائع المتبقية، وجدت مصحفا صغيرا، اسم جدي مكتوب في صفحته الأولى. لم يصلح المصحف البضاعة، لكنه جعل صوت الخسارة أكثر إنسانية. قرأت صفحتين هناك، ثم بدأت بإعادة ترتيب المحل، دفعت أجور العاملين أولا، وعدلت طلبي القادم. الخسارة لم تختف، لكنها تركت أثرا، جعلني أتحمل خطوة بخطوة، وأبحث عن هداية في حركات صغيرة، في فنجان شاي، وفي مصحف رطب تحمله يد الزمن.
كنت أتصور الصبر بشيء كبير، اختبار طويل ينتظرني خلف باب. في إحدى مساءات لا تهدأ فيها ردة قطار ولا رائحة دال chawal من بقالة الحي، جلست على طاولة المطبخ أصحح دفاتر. المطر خفيف، والطباشير تحت أظافري، ورائحة الحبر تشبه ذاكرة الامتحانات. كان فؤاد، زوجي، يضع كوب الشاي أمامي بهدوء، يعرق من شدة العمل الذي لم يرد الحديث عنه. لم يقل ما أخافه، وكأن الصمت كان يشرح له الصبر بأحسن مما أستطيع. حين قطعت الكهرباء، خرجنا إلى الشرفة. عبر الأزقة، أتى صوت الأذان، قلت بصوت أردته صغيرا يا رب. تذكرت آية، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وكنت أكررها كأنها ورد صغير في جيبي. بعد ربع ساعة جاء جارنا يحمل ظرفا فيه رسالة عن وظيفة صغيرة في مدرسة قريبة، وظيفة يستطيع فؤاد أن يبدأ بها. لم تكن فرحة مفاجئة، بل شعورا طريا كخبز دافئ يدخل البيت بعد يوم طويل. تعلمت أن الصبر ليس انتظار عقيم. الصبر هو الجلوس مع شاي في يدك، والاحتفاظ بالأمل كقلم في جيبك، ثم السير في اليوم التالي مع من تحب.
في رمضان الفائت، قبل أن يشرق الفجر، جلست على شرفة شقتي في بيروت. الشارع كان لا يزال ناعسًا، ورائحة القهوة بالهيل تتسلل من شباك الجيران. كانت هناك سترة صغيرة طويت على الكرسي، بقيت معها طويلاً بعد انفصالنا. لم أستطع رميها، ولا فتحها، كانت مثل رسالة لم تُقرأ. أحضرت سجادتي القديمة، تلك التي كانت معي في تغطيات الحروب والاحتفالات، وضعتها على الأرض. خشونتها تحت ركبتي شعرت كأنها تذكرني بوقوف طويل. عندما ركعت، خرجت مني كلمة لم أخطط لها، همسة قصيرة إلى الله، اللهم اشف قلبي. في السجود، تذكرت آية بسيطة من سورة الشرح، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وهي تتكرر داخل الرأس كما تتكرر خطوات الناس نحو الإفطار. عدت إلى السترة، فتحتها. كانت تفوح رائحة منه، لكني لم أعد أبحث عن سبب لأبكي. طويتها بعناية، وضعتها في صندوق صغير، ووضعت فوقها ورقة كتبت عليها: بداية. لم يحدث انفجار داخلي، لكن شيئًا رقيقًا خُيط في صدري، خيط من يقين أن الشفاء يأخذ وقته، وأن الصلاة والدعاء لا يتركان القلب وحيدًا.