كنت أعد الشاي في فنجان طيني صغير عندما غاب عني اتساع الدنيا للحظات، دوخة وحرارة تسرق الكلام. جلست على السجادة المقطوعة من حياكة الجدات، وأحسست بأصابع الزمن تتراجع. لم أكن هذه المرأة التي تطبخ القليل وتعرف كل وجوه الحارة. جاءت نور، حفيدتي الصغرى، وقد نامت صغيرتها في ذراعها، عيونها متعبة لكنها ثابتة. لم تردد أن تجلب لي ماءً ممسوحاً بقطعة قماش باردة ومعها عصرة…
بعد خمسة عشر عامًا من النوبات الطويلة والإجراءات السريعة في المستشفى، لم أعد أظن أنني سأجلس يومًا على الطرف الآخر من السرير. أصابني التهاب رئوي في فصل الشتاء بعد وردية ثلاث وعشرين ساعة؛ جاءني الاختناق كصوتٍ غريب تحت الجلد. رائحة الكلور، أزيز جهاز الأكسجين، وسخونة الإبرة في ذراعي، كل ذلك أصبح عالمي.
لم أكن قادرة على ترتيب كلمات الطمأنينة للمرضى؛ كان عليّ أن…
كان الصباح بارداً، والمدينة تتنفس ببطء بعد ثلج ليلة كاملة. فتحت شباك الشرفة لأدفع عبق الفحم إلى الخارج، ورأيت علبة صفيح صغيرة وضعناها العام الماضي، بقايا شتلة تين ضعيفة بداخلها. لم أكن أنوي الكثير، فقط كفيانقناع أن أفعل شيئاً بسيطاً. فتحت التراب، شممت رطوبته، ملمست الجذور الرقيقة بين أصابعي، تذكرت صوت خالتي وهي تكرر فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا حين كنا نحف…
في صباح صيفي، كنت واقفًا فوق ركام موقعٍ قد أمضيتُ فيه شهورًا. الخرسانة ما زالت رطبة تحت الشمس، والرائحة، أسمنت، نفط الماكينات، وشاي من ترمسِ زميل، تعلّق في أنفي. الليلة التي سبقت ذلك لم أنم؛ العميل هدد بالفسخ بسبب تأخير كلفني مبلغًا كبيرًا، والمقاولون يكتبون أرقامًا أعلى على ورقٍ بلا راحة.
أبي كان يقول دائمًا: الرزق لا تأتي به العجلة. لم أكن أذكر كلامه كحكم…
كنت أظن أنني أعرف طعم الخيبة. التجارة تتقلب، والأرقام على شاشة الهاتف تقرأ كقضاء. في أحد الشتاء، بعد صفقة فشلت، عدت إلى البيت في الكويت وأذني تطن بصمت الخسارة. المنزل كان دافئًا، رائحة الهيل في القهوة تتسلل من المطبخ، وأمي تجلس بجانب نافذة تطل على النخيل. أبي لم يتكلّم كثيرًا، وضع كفه الخشنة على كتفي بصمت. لم أكن أستحقه، هكذا ظننت. ظللت ليلة لا أنام فيها، أك…
بعد دفن والدي في يوليو، ظل البيت في فريتاون واسعا على صوتي. أصبت بحمى لم أرها من قبل، الحرارة تعصر جبيني، وطعم حديد في فمي كلما شربت ماء. كنت أستيقظ في منتصف الليل لأسمع مطر يسقط على السقف الصاج، وأعود لأجد البلل تحتية فراشي. فاتو، جارتنا، كانت تأتي كل صباح بحساء بسيط وتجلس على الكرسي البلاستيكي بجانبي، تمسح جبيني بكفها، وتقول بصوت هادئ لا يضغط علي بالدين، ف…
قبل أن أعلَم كيف أُسمي إيماني، قبل أن أتقن التحيات وأعرف أوقات الصلاة، كانت غرفتي في راشولم تبدو أكبر منّي. قبيل منتصف ليل يناير، وأنا وحيد في شقّتي الصغيرة، سمعت صفير الإبريق. بخار الشاي ملأ المطبخ، ومطر مانشستر يطرق الزجاج بمقاطع متقطعة. موضوع على الطاولة سجادة صلاة صغيرة، هويتِها على كرسي بلاستيكي. لم أتصل بوالدي منذ أشهر بعدما أخبرتهما أنني اعتنقت الإسلا…
صحو رمضان في مومباسا له طعم خاص، رائحة الحمص المطبوخ، ملوحة البحر تتسلل من الشباك، وصوت المؤذن ينساب فوق الأشجار. في منتصف الشهر أصبت بحمى مفاجئة، صداع يطرق جبهتي كما لو أن الشارع يصرخ داخل رأسي، وقيء جعلني أعد الأيام بقسوة. لم أكن أقوى على الصوم، ورفضت في داخلي تركه.
أدخلنا المستشفى، الضمادات رطبة من العرق، جهاز يقرأ ضوء نبضي، ومروحة صغيرة تكافح الهواء. حي…
كان رمضان في آخر سنة اشتدت فيها الرياح على محلي في السوق. وصلت رسائل من الموردين، أرقام تتكرر كقضية لا حل لها، ورائحة قهوة بالهيل تعبق من دكان الشاي أمام المتجر، تذكرني بأن الحياة تستمر. في إحدى الليالي، بعد أن أفطرنا بسرعة لأن الأصوات في الشارع كانت تغفلني عن القلق، فتحت المصحف، ورأيت كتابة صغيرة على هامش الآية، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم أكن أبحث ع…
في منتصف الليل ونفَس المطر على زجاج نافذة غرفة الانتظار، دخلت آيشه إلى العيادة، وأنا أتبع أثر خطواتها وأفكر في سنوات التدريس. الرائحة هناك مزيج من معقم ومشروب شاي فاتر، والكراسي البلاستيكية تُصدر صريرا كلما تحرك أحد. جلستُ، وضعت معطفي فوق ركبتي، وفكرت في كيف أن الخوف يتسلل عندما يفقد الإنسان السيطرة.
لم أكن أصغي بالكلام، كنت أُعيد آية واحدة في قلبي، إن مع ال…
في أمسية عادية، كان رنين ساعة المطبخ يقطع حديثي مع جاديا الصغرى وهي تحاول إقناعي أن حلوى الآيس كريم أفضل من العشاء. رائحة دخان رقيقة بدأت تملأ المطبخ، وقطعة من الخبز على المقلاة تحولت إلى لوحة سوداء خلال ثواني. قلبت المقلاة بحركة آلية، ثم جلستُ للحظة أتنفس ببطء، وأشعر بحرارة المقابض تحت يدي.
كانت نفس الرغبة القديمة في السيطرة تعاودني، أن أقلب العالم لكي لا ي…
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي.
صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات…
ولدت في كابل، ولكن في ذلك الصباح كنت في غرفة مستأجرة في مدينة لم تعن لي شيئًا غير اسمها على جواز سفري. النافذة مطلية بطلاء متقشر، والهواء يحمل رائحة خبز ووقود محروق من المطبخ المجاور. رمضان كان يجمعنا بعلامات صغيرة، ساعة تأخير في السحور، همسة دعاء خلف الستار.
فتحت المصحف القديم الذي أهدته إياي أمي قبل الرحيل، ورأيت السطر الذي ظننت أني أعرفه عن ظهر قلب، فَإِن…
أتذكّر الليلة التي قضيتها قبالة سرير ليلى في مستشفى بالرباط، ضوء الممر خفيف كالهمس، ورائحة المعقم تعانق رائحة شعرك الناعم. كان قلبها يغرد بهدوء عبر جهاز صغير، وصوت الطمأنينة الوحيد بالنسبة لي كان تلاوة آيات قليلة في هاتفي، عادتني آية: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم أقلّ كلمات كبيرة، قلتُ: «اللهم اشفِها»، وكرّرتُها كأنها نفس أدخل فيه الحياة إلى صدري.
جلس…
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي.
في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي…
أذكر اليوم الذي استيقظت فيه وصدري يخرقني كحائط قديم، ومكتب العمل بانتظار قراراتي في القاهرة، والمقاولون يرسلوا رسائل لا تهدأ. أبي كان يقول دائما، الرزق لا تأتي به العجلة، لكن داخل رأسك، في عزّ الضغط، الكلام يضيع. أخذتني سيارة الإسعاف إلى مستشفى صغير قرب العباسية. رائحة المطهرات، وبرودة درابزين السرير تحت يدي، وصفير جهاز صغير كل دقيقة، هذا ذاك الصباح.
قبل أن…
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني كيف أصغي أكثر مما أتكلم. في ليلة مطيرة على طريق الجزائر إلى وهران، توقفت الشاحنة فجأة، رائحة الديزل والرطوبة ملأت الكبينة، والمطر على الزجاج يسمع كنغمة تُذكرني بليالي الصحراء الباردة. حاولت تشغيل المحرك مرارًا، بلا فائدة. الراديو كان يقرأ آيات هادئة من القرآن، الصوت ينساب بين هدير المطر. قلبي تضايق، وخطر في بالي حساب…
كنت أعود من العمل في رمضان، الشوارع في إسطنبول رطبة برائحة البحر وإيقاع الأقدام نحو المسجد. قالوا في المكتب صباحًا إن المشروع سيُقفل، وحالة عدم الأمان ملأت صدري. دخلت شقتي الصغيرة، كانت ليلى قد جهزت التمر والشاي، صوت الأذان ينساب من المآذن، وحفيف الستائر بدا كأن المدينة تتنفس معي.
جلست على الطاولة، هاتف في يدي وأوراق منتشرة، أفكر في خطواتي وكأن كل قرار يحتاج…
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تف…
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئ…
كان سقف المسجد يقطر في صفر الماضي، كل نقطة تروي حكاية خشب قديم وتقصّ علىي تعب الجيران. كإمام هذا المسجد الصغير في أم درمان، شعرت بثقل المسؤولية في صدري، وكنت أعد القوائم وأحسب التبرعات كما يحسب الفقير رزقه. في الليالي كنت أُصلّي الفجر على السطح، والبرد يعضّ أصابعي، أقول بيني وبين نفسي يا رب إنّا لمقاومة القلق.
في صباح شتوي جاءت أم صالح، ستٌّ رشيقة بعينين تل…
كنت أجلس قرب النافذة المطلة على الميناء في فريتاون، والملح يرفق في الهواء كذكرى كل صباح. كان دكاننا الصغير هادئا منذ أسابيع، الزبائن أقل، والديون أكثر، ومارياما تطبخ حساء العدس بصوت منخفض كما لو كانت تحفظ مساحة للصلاة. فكرت أن أغلق المحل لوقت أطول، أن أبحث عن عمل بعيدا عن بيع الصابون والبطاريات.
في تلك الليلة، لم أنم. حملت المصحف المدون بحروف زوجتي، صفحاتها…
كبرت بين موجات الخليج إلا أنني أتذكر طعم السوق في نيروبي أكثر من أي شيء آخر. كانت ليلة قبل خطوبتي، جالسة على أرضية الشقة الصغيرة، ضوء مصباح الكيروسين يترنح، ورائحة القهوة المحمصة تملأ الغرفة. شعرت بثقل الأسئلة، هل يكفي رزقنا؟ هل أطلب تأجيل؟ أم أركن إلى الله وحده.
وضعت يدي على المصحف، تذكرت قول الله إن مع العسر يسرا، قلت بصوت خافت، حسبي الله ونعم الوكيل. نمت…
كانت لي سنوات وأنا سائِق شاحنة، الطريق الطويل علمني الذكر والرضا بالمكتوب. ذات ليلة في الشتاء تعطلت الشاحنة خارج مدينة باتنة، رائحة المازوت تملأ الكابينة، والبرد يدخل من كل فتحة. حاولت الاتصال، لا إشارة، شعرت بأن كل حساباتي تنهار، موعد تسليم، مصاريف البيت، خبر والدتي عن ألم في ظهرها قبل أيام.
جلست أضع كفيّ على عجلة القيادة، قلت ببطء: إن مع العسر يسرا. لم أعر…
أمضيت أربعين سنة مع المرضى، كل مداخلة وكل انتظار علّمتني أن الشفاء يبدأ بما لا يظهر على الشاشات. لكن عندما جاء دوري وأبلغوني بأن جسدي يحتاج إلى تدخلٍ عاجل، تحوّل كل ما علّمته إلى أشياء صغيرة: كيف أمسك يد المريض؟ ماذا أقول حتى لو لم يكن هناك كلام؟
جلست في قاعة الانتظار قبل العملية، الستائر نصف مفتوحة، ورائحة المطهر تملأ الهواء، والقفاز القديم لا يزال يذكّرني…
في السنة التي مرضت فيها أمي، تعلمتُ أن الصبر ليس صمتاً، بل هو أن تظل واقفاً بينما الأرض تهتز تحتك. كنت أجلس بجانب سريرها وأقرأ سورة يوسف، وأبكي حين تنام. لم أكن أعرف أن هذا صبر، حتى قال لي أبي: "ما تفعلينه الآن، يحبه الله." بعد سنة، لما رحلت، كنت أعرف أنني أعطيتها كل ما عندي.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. كنت مستعدًا لذلك الدرس في صباح الحضور إلى المسجد الصغير في حارةنا بالقاهرة، حيث النوافذ الزجاجية تلوّن ضوء الشمس بخفوفٍ ذهبي، وحصائر الصلاة تحمل رائحة عرق ونعناع من صلاة الصباح. دعوتني مايا، زميلتي القديمة في العيادة، أن أكون حاضرًا معها. قبل سنوات كانت تخاف من الأسئلة، تأتي إلى العيادة بيد…
يوم دفننا والدي، جلست في فناء البيت القديم، أتابع حركة الغبار تحت نور المصباح. كان الصوت الوحيد هو خطوات الجيران والأذان البعيد، وكنت أقول بيني وبين نفسي إنا لله وإنا إليه راجعون. لم أكن أعرف متى توقفت قلبي عن الانتفاض، لكني شعرت بأن شيئاً ثابتاً بداخلي ينهار ويعاد بناؤه بطريقةٍ بطيئة.
بعد أسابيع وجدت المقعد الخشبي الذي صنعه والدي قبل سنوات، نصفه مكسور، الطل…
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل.
قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للو…
أنا ابنة داكار، وكل صباح عندنا في البيت رائحة الشاي الحلو، ويد جدتي البالغة من العمر سبعين رطبة من الحلاوة والطبخ. عندما مرضت بدأ العالم يتقلص، لم تعد مقابلات العمل مهمة، لم تعد رسائل البريد في الصباح تحمل ثقلها. ذاك الصباح في المستشفى، رائحة المعقم، صوت مروحة تطن بلا توقّف، وجدتي في سريرها الورقي، نحيلة لكن عينها لا تفارق سقف الغرفة.
لم أتوقع أن يكون تحول…
كنت أعد الشاي في فنجان طيني صغير عندما غاب عني اتساع الدنيا للحظات، دوخة وحرارة تسرق الكلام. جلست على السجادة المقطوعة من حياكة الجدات، وأحسست بأصابع الزمن تتراجع. لم أكن هذه المرأة التي تطبخ القليل وتعرف كل وجوه الحارة. جاءت نور، حفيدتي الصغرى، وقد نامت صغيرتها في ذراعها، عيونها متعبة لكنها ثابتة. لم تردد أن تجلب لي ماءً ممسوحاً بقطعة قماش باردة ومعها عصرة من ليمون، رائحة الحارات وحبوب القهوة تحوم في الهواء، وموسيقى الآذان تقطع الليل البعيد. مسحت جبيني بكفها، كانت يد صغيرة لكن فيها دفء أعرفه منذ مولدي. قلت في نبرة نصف اعتذار، أنا عليكِ العناء، فردت وتضحك بخفوت، ما عليك، يا جدتي. تذكرت بعد ذلك آية كنت أرددها بصوت باهت، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وصرت أقول دعاء الشفاء بصوت أقل ارتجافاً من قلبي. في تلك اللحظة تغيرت الفكرة عن الصبر لدي، لم يعد احتمالاً وحيداً بل محنة تتشاركها الأياد، محبة تُطعم الأمل. خرجت من الغيمة مثل ضوء صغير، أعود إلى قهوتي وأعطي نور قطعة من خبزها بسرور قديم.
بعد خمسة عشر عامًا من النوبات الطويلة والإجراءات السريعة في المستشفى، لم أعد أظن أنني سأجلس يومًا على الطرف الآخر من السرير. أصابني التهاب رئوي في فصل الشتاء بعد وردية ثلاث وعشرين ساعة؛ جاءني الاختناق كصوتٍ غريب تحت الجلد. رائحة الكلور، أزيز جهاز الأكسجين، وسخونة الإبرة في ذراعي، كل ذلك أصبح عالمي. لم أكن قادرة على ترتيب كلمات الطمأنينة للمرضى؛ كان عليّ أن أجدها لنفسي. جاء الزملاء بوجبات ساخنة وصندوق صغير فيه نقود جمعوها لتغطية أجرة تكاليف إضافية. كانت تلك اليد الممتدة رزقًا لم أتوقعه، ليس فقط مادياً بل كإقرار بأني لستُ وحيدة. في ليلةٍ باهتة، سمعتُ الأذان من نافذة الغرفة. حاولتُ أن أتنفس ببطء، قلتُ بين الشهيق والزفير: «اللهم اشفِني شفاءً لا يغادر سقماً». عندما انتهى المأذون، أحد الممرضات، فتاةٌ شابة، جلست بجانبي ووضعت يدها على صدري وقالت بهدوء: «حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوَكِيل». شعرت بأن الصلاة لم تعد خارجية بل داخليّة، كنبضٍ يثبت أن التوكل فعل حي. لا أملك وصفة شفاء، لكنني تعلمت شيئًا عمليًا: أن المرض يختبر الإيمان والرزق لا يأتي دائمًا في مظاهره الباهرة. أحيانًا يكون رزقًا في فنجان شاي دافئ، وأحيانًا في يدٍ تمسك يدك حين يرهقك الصدر. حينها، يكفي أن أتنفس، وأثق، وأدعُ.
كان الصباح بارداً، والمدينة تتنفس ببطء بعد ثلج ليلة كاملة. فتحت شباك الشرفة لأدفع عبق الفحم إلى الخارج، ورأيت علبة صفيح صغيرة وضعناها العام الماضي، بقايا شتلة تين ضعيفة بداخلها. لم أكن أنوي الكثير، فقط كفيانقناع أن أفعل شيئاً بسيطاً. فتحت التراب، شممت رطوبته، ملمست الجذور الرقيقة بين أصابعي، تذكرت صوت خالتي وهي تكرر فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا حين كنا نحفر خنادق من الذكريات بعد الحرب. ليلى كانت لا تزال نائمة في الغرفة، أنفاسها بطيئة، شعري الأبيض عند صدغيّين يذكرني بزمنٍ من الصبر. غسلت يدي بالماء البارد، وسألت ربي بصوت خفيف، دعاء لم أعلنه يوماً كبيراً، فقط رَبِّ يَسِّر. غرزت الشتلة في العلبة، ضغطت التراب حولها كما يضم الرجل من يحب في وقت الخوف. لم يحدث شيء عظيم في ذلك اليوم سوى صمتٍ طويل، وصمتٌ جميل. بعد أسابيع صغيرة بدأ ورقة جديدة تلوح. لم يعد عملي جارياً لإثبات شيء، بل ممارسة صبرٍ بسيط، وفعل محبة صغير، أثر يتركه شيء حي فوق الشرفة، فوق المدينة، فوق قلوبنا.
في صباح صيفي، كنت واقفًا فوق ركام موقعٍ قد أمضيتُ فيه شهورًا. الخرسانة ما زالت رطبة تحت الشمس، والرائحة، أسمنت، نفط الماكينات، وشاي من ترمسِ زميل، تعلّق في أنفي. الليلة التي سبقت ذلك لم أنم؛ العميل هدد بالفسخ بسبب تأخير كلفني مبلغًا كبيرًا، والمقاولون يكتبون أرقامًا أعلى على ورقٍ بلا راحة. أبي كان يقول دائمًا: الرزق لا تأتي به العجلة. لم أكن أذكر كلامه كحكمةٍ جميلة فقط، بل كقيدٍ عملي. في لحظةٍ من الارتباك اعترفت لنفسي أنني حاولتُ تسريع العمل بقطعٍ هنا وهنالك، وأسرفت في الثقة بأن الوقت سيعالج كل شيء. استغفرت وتبت، توبة صغيرة، لا دراما، ثم خرجت لأصلي ركعتين قرب موقع صغير للمساجد، أشعر بالحر تحت جبهتي. قلت في قلبي: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، ثم قررت أن أتصرف بدل أن أركن للقلق. عقدت اجتماعًا صادقًا مع العميل، وقلتْ لي مرشدٌ قديم بين العمّال كيف نعيد العمل بموادٍ أفضل دون تكلفة إضافية كبيرة. لم يكن حلًّا سحريًا، لكن الهدوء عاد ببطء. فقدتُ أموالًا ووقتًا، وربحتُ درسًا: التوكل ليس تخليًا، بل عملٌ مع تسليم النتيجة للخالق، وتوبة على ما قصرنا فيه.
كنت أظن أنني أعرف طعم الخيبة. التجارة تتقلب، والأرقام على شاشة الهاتف تقرأ كقضاء. في أحد الشتاء، بعد صفقة فشلت، عدت إلى البيت في الكويت وأذني تطن بصمت الخسارة. المنزل كان دافئًا، رائحة الهيل في القهوة تتسلل من المطبخ، وأمي تجلس بجانب نافذة تطل على النخيل. أبي لم يتكلّم كثيرًا، وضع كفه الخشنة على كتفي بصمت. لم أكن أستحقه، هكذا ظننت. ظللت ليلة لا أنام فيها، أكرر دعاء كنت أسمعه أيام الطفولة، اللهم اشفِ ما في صدري واهدِ قلبي.
بعد دفن والدي في يوليو، ظل البيت في فريتاون واسعا على صوتي. أصبت بحمى لم أرها من قبل، الحرارة تعصر جبيني، وطعم حديد في فمي كلما شربت ماء. كنت أستيقظ في منتصف الليل لأسمع مطر يسقط على السقف الصاج، وأعود لأجد البلل تحتية فراشي. فاتو، جارتنا، كانت تأتي كل صباح بحساء بسيط وتجلس على الكرسي البلاستيكي بجانبي، تمسح جبيني بكفها، وتقول بصوت هادئ لا يضغط علي بالدين، فقط حضور إنساني. في يوم لم أستطع فيه أن أتحرك، جاء الأذان من المسجد الصغير عبر الطريق. الصوت ربط شيئاً في صدري. رددت في قرارة نفسي، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، حتى هدأت أنفاسي. لم أقدر على الوقوف لصلاة، جلست فقط وركعت بخفة، وكانت تلك الركعة بداية أخرى. لم أتعافَ دفعة واحدة، بل جاء الشفاء كسلوى: رشفة سكر وماء من فاتو، كلام جارتين عن والدِي، زيارة طبية بسيطة، وقت كثير للنوم. عندما نهضت أخيراً، كان سجادة والدي مطوية في زاوية الغرفة، أثر صغير على الأرض. بقيتُ أقوى قليلاً لأن الناس جاءوا، ولأن الأذان جاء وقتاً أحتاجه.
قبل أن أعلَم كيف أُسمي إيماني، قبل أن أتقن التحيات وأعرف أوقات الصلاة، كانت غرفتي في راشولم تبدو أكبر منّي. قبيل منتصف ليل يناير، وأنا وحيد في شقّتي الصغيرة، سمعت صفير الإبريق. بخار الشاي ملأ المطبخ، ومطر مانشستر يطرق الزجاج بمقاطع متقطعة. موضوع على الطاولة سجادة صلاة صغيرة، هويتِها على كرسي بلاستيكي. لم أتصل بوالدي منذ أشهر بعدما أخبرتهما أنني اعتنقت الإسلام. كل رسالة لم تُردّ عليها جعلت قلبي يثقل. قمت غسلت يدي، صليت ركعتين بصوت هادئ، وقلت دعاء بسيط بين الصمت، اللهم إني أسألك شفاءً للقلب. تذكرت الآية، فمع العسر يسرا. لم تكن معجزة فورية. كانت لحظة صبر، تنفس، ثم مواصلة يوم آخر. عندما جلست لأرتشف الشاي، رنّ هاتفي. رسالة من أختي، كلمة وحيدة، هل أنت بخير؟ جلست أقرأها وأشعر بأن شيئًا في صدري يلين. لم تُحل كل الأشياء، لكن ذاك المساح الذي فتحته الصلوات والدعاء كان بداية الشفاء. الصبر هنا لم يكن انتظارًا فارغًا، بل فعل صغير من الاستمرار.
صحو رمضان في مومباسا له طعم خاص، رائحة الحمص المطبوخ، ملوحة البحر تتسلل من الشباك، وصوت المؤذن ينساب فوق الأشجار. في منتصف الشهر أصبت بحمى مفاجئة، صداع يطرق جبهتي كما لو أن الشارع يصرخ داخل رأسي، وقيء جعلني أعد الأيام بقسوة. لم أكن أقوى على الصوم، ورفضت في داخلي تركه. أدخلنا المستشفى، الضمادات رطبة من العرق، جهاز يقرأ ضوء نبضي، ومروحة صغيرة تكافح الهواء. حين حل أذان المغرب عبر مكبر صغير في ردهة الطوارئ، شعرت بشيء يخف. قلت في قلبي آية، "إن مع العسر يسرا"، ثم همست دعاء لا أعرف كيف أقول بصوت مرتفع. أحمد وضع يده على جبهتي، جلب تمرتين من جيبه، قال بهدوء تعالي نكسرها معا. لم يكن الشفاء فوريا. لكنني عدت لأحصي النعم: اليد التي تمسح جبيني، جارٌ ترك لي طبقا من السمبوسة، بلطف الممرضة التي فهمت أن الصيام ليس شهادة للشدة. في تلك الليلة، تعلمت أن الشكر لا يلغي ضعف الجسد، بل يضيف له خيطا من أمل.
كان رمضان في آخر سنة اشتدت فيها الرياح على محلي في السوق. وصلت رسائل من الموردين، أرقام تتكرر كقضية لا حل لها، ورائحة قهوة بالهيل تعبق من دكان الشاي أمام المتجر، تذكرني بأن الحياة تستمر. في إحدى الليالي، بعد أن أفطرنا بسرعة لأن الأصوات في الشارع كانت تغفلني عن القلق، فتحت المصحف، ورأيت كتابة صغيرة على هامش الآية، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم أكن أبحث عن معجزات، كنت أبحث عن خطة، لكن الكلمات جلست في صدري كبرميل ماء برد. صليت، ركعتين أطول مما اعتدت، جلست في السجود أطول، همست حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم تركت الأرقام على الطاولة والعهد على الله. لم يحدث شيء خارق في الساعة التالية، لكن في منتصف النهار اتصل عميل قديم ليؤجل دفعة كبيرة إلى اليوم نفسه، ومورد أخبرني أن حمولة طازجة وصلت بدل التأخير. لم تسقط المشاكل، لكنها تغيرت، وصار قلبي أخف. تعلمت أن التوكل ليس أن لا تعمل، بل أن تعمل وأنت لا تحبس النفس على النتيجة، وتعود إلى سجادة الصلاة عندما يشتد الزمان.
في منتصف الليل ونفَس المطر على زجاج نافذة غرفة الانتظار، دخلت آيشه إلى العيادة، وأنا أتبع أثر خطواتها وأفكر في سنوات التدريس. الرائحة هناك مزيج من معقم ومشروب شاي فاتر، والكراسي البلاستيكية تُصدر صريرا كلما تحرك أحد. جلستُ، وضعت معطفي فوق ركبتي، وفكرت في كيف أن الخوف يتسلل عندما يفقد الإنسان السيطرة. لم أكن أصغي بالكلام، كنت أُعيد آية واحدة في قلبي، إن مع العسر يسرا. لم أرَ نفسي أكتب خطة أو أعدّ أسئلة كما كنت أفعل في الصف. بدلا من ذلك تذكرت أن أقول حسبي الله ونعم الوكيل، بصوت خافت، ثم صمت طويل. بين الحين والحين كان مهمت، ابني، يقف في زاوية صغيرة ويصلي، بطريقة لم أرها منه منذ سنوات. لم نؤدي درس هنا، لكن كان هذا درس. حينما خرجت الممرضة وهي تحمل مولودا يئن بصوتٍ ضعيف ثم يزول، شعرت بأن ثقل الليل قد تهاوى. التوكل لم يكن هروب من العمل أو التخطيط، بل هدوء يترك أثرا بيننا، في صدرٍ يصدق ما عليه من قلق، ثم يطلقه بيدٍ تضعها في يد الرحمة.
في أمسية عادية، كان رنين ساعة المطبخ يقطع حديثي مع جاديا الصغرى وهي تحاول إقناعي أن حلوى الآيس كريم أفضل من العشاء. رائحة دخان رقيقة بدأت تملأ المطبخ، وقطعة من الخبز على المقلاة تحولت إلى لوحة سوداء خلال ثواني. قلبت المقلاة بحركة آلية، ثم جلستُ للحظة أتنفس ببطء، وأشعر بحرارة المقابض تحت يدي. كانت نفس الرغبة القديمة في السيطرة تعاودني، أن أقلب العالم لكي لا يؤدي شيء بسيط إلى فوضى. لكن شيئاً داخلَ عليّ أن أبطئ. همستُ بعبارة بسيطة تعلمتها في صلاة الليالي الأولى بعد أسلامي، حسبي الله ونعم الوكيل. لم تكن صيحة معجزة، لكنها خانتني من الذعر. حضرتُ نصف رغيف، زبادي، وقطعتان من الجبن، وجلسنا على طاولة صغيرة بينما الأطفال يتناولون العشاء بمرح. رن جرس الباب، جارتنا الأمريكية عبرت بابتسامة ومعها طبق صغير قالت إنها سمعت رائحة الدخان فحملت لنا بقايا عشاء جاهز. شكرناها وقلتُ في قلبي الحمد لله، شكرًا على الأمان، على الطعام، وعلى العلم أن التوكل يُمارس في لحظات صغيرة، في مطبخي الصغير.
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي. صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات النوارس. قلت بصوت خفيف، "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، وقلت بعدها دعاء لا أصل له سوى تنهيدة، "يا رب، ما لي إلا أنت". لم يحدث شيء خارق. لم تصل وظيفة من السماء، ولم تفتح أبواب في تلك اللحظة. لكن شيء صغر في صدري، كأن ثقلًا قد توقف عن الضغط. قبل أن أغادر، مدّ لي رجل عجوز كوب شاي، قال بعينين لا تحكمان، "توكل، يا بني، كله بيد الله". لم تكن نصيحة جديدة، لكنها كانت هداية جاءت في لحظة جاهزة للاستقبال. عدت عبر الجسر بخطوات أخف، ومعي يقين هادئ أن الطريق قد لا يكون مفروشًا، لكنه ليس وحيدًا.
ولدت في كابل، ولكن في ذلك الصباح كنت في غرفة مستأجرة في مدينة لم تعن لي شيئًا غير اسمها على جواز سفري. النافذة مطلية بطلاء متقشر، والهواء يحمل رائحة خبز ووقود محروق من المطبخ المجاور. رمضان كان يجمعنا بعلامات صغيرة، ساعة تأخير في السحور، همسة دعاء خلف الستار. فتحت المصحف القديم الذي أهدته إياي أمي قبل الرحيل، ورأيت السطر الذي ظننت أني أعرفه عن ظهر قلب، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم يحدث شيء خارق بعد قراءته، لم تهطل رزق مفاجئ، لكن يديان توقفتا عن ارتعاشهما. الطلب الذي كنت أكرره في الخفاء، اللهم ارزقني الصبر، صار أقل تشويشًا. خرجت لأغسل كوب الصباح، وأعطيته بجوار الباب لجارة صغيرة تقلق على طفلها المريض. لم تكن هدية عظيمة، لكنها أثبتت لنفسي أن الصبر فعل، ليس مجرد انتظار. في صوت الأذان البعيد، شعرت ببيت صغير يقيم في صدري، بيت لا يحتاج إلى عنوان ليبقى موطناً. هناك، مع رائحة الشاي المرة وورق المصحف بين يدي، أدركت أن الصبر لا يزيل الليل دفعة واحدة، لكنه يجعل كل فجر ممكنًا.
أتذكّر الليلة التي قضيتها قبالة سرير ليلى في مستشفى بالرباط، ضوء الممر خفيف كالهمس، ورائحة المعقم تعانق رائحة شعرك الناعم. كان قلبها يغرد بهدوء عبر جهاز صغير، وصوت الطمأنينة الوحيد بالنسبة لي كان تلاوة آيات قليلة في هاتفي، عادتني آية: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم أقلّ كلمات كبيرة، قلتُ: «اللهم اشفِها»، وكرّرتُها كأنها نفس أدخل فيه الحياة إلى صدري. جلستُ على كرسي بلاستيكي بارد، أطبّق بطانيتها الصغيرة، أعدُّ أنفاسي مع كل طيّة. كُنتُ أصنع لها شاي النعناع بماءٍ من آلة في الردهة، رائحة النعناع كانت ترفقنا كما لو أن شيئًا بسيطًا من بيتنا جاء ليلحظ الألم. قبل الفجر خرجت لأوضأ من حنفية صغيرة، الماء البارد كشحذ، وصليتُ ركعتين على سجادةٍ صغيرة، لم أخبر أحدًا أني أحسست حينها بأن شيئًا قد انفتح داخلي. التحوّل لم يكن صرخة احتفال، بل ابتسامة صغيرة عندما شربت ليلى قليلًا من الحليب. في ذاك الصباح فهمتُ أن الصبر ليس انتظارًا مؤقتًا فقط، بل تنفّسٌ رقيق ومتواصل: تلاوة، دعاء، طيّ بطانية، شاي نعناع، أشياء تترك أثرًا. خرجنا إلى البيت بعد أيام، ورائحة النعناع في المطبخ كانت تحكي لي أن الأثر بقي.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي. في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي، أشياء صغيرة لكنها حقيقية. عندما هدأت الأنظمة قليلاً همست آية: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». لم تكن كلمات طبية؛ كانت بذرة ثقة. الجراحون فعلوا ما عليهم. لكن تحوّلي بدا في لحظة قصيرة بعد الظهر: وضعت سجادًا للصلاة بجانبي لتهدئة نفسي، أقمت صلاتي كأنها وعد، لا بدّ أن أُسلّم أمري. لم يحدث شيء درامي، لا معجزة مفاجئة، فقط هدوءٍ دخل جسدي وقلبي معًا. الطبيب الذي اعتاد أن يعالج الآخرين عرف أخيرًا أن الشفاء قد يكون قبلة هادئة على جبين الخوف، وأن التوكل أحيانًا هو الدواء الذي يكمل العلاج.
أذكر اليوم الذي استيقظت فيه وصدري يخرقني كحائط قديم، ومكتب العمل بانتظار قراراتي في القاهرة، والمقاولون يرسلوا رسائل لا تهدأ. أبي كان يقول دائما، الرزق لا تأتي به العجلة، لكن داخل رأسك، في عزّ الضغط، الكلام يضيع. أخذتني سيارة الإسعاف إلى مستشفى صغير قرب العباسية. رائحة المطهرات، وبرودة درابزين السرير تحت يدي، وصفير جهاز صغير كل دقيقة، هذا ذاك الصباح. قبل أن يأتي الطبيب قلت لنفسي لا أستطيع أن أفوّت صلاة الفجر، رغم حمى تقطع جسدي. فعلت وضوءا ببطء، ماء بارد على راحة يدي، وأحسست بالبرودة تدخل إلى عظامي كأنها تذكرة بأن الأمور أكبر من قراراتي. ركعت ركعتين، وفي السجود قلت آية واحدة أرددها دائما، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، حسيت بطمأنينة صغيرة كأنها ضوء يطرق نافذة ضيقة. الممرضة جابت لي دواء، ونتيجة الأشعة كانت أفضل مما تخيلنا. لم تكن معجزة، كانت خطوة صغيرة إلى الأمام. خرجت بعدها إلى المكتب، ولم تعد عجلة القلق تقودني بنفس الطريقة. أبي كان على حق، الرزق يأتي بتؤدة وثقة، ولا أثر أعمق من صلاة تُعيد ترتيب القلب.
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني كيف أصغي أكثر مما أتكلم. في ليلة مطيرة على طريق الجزائر إلى وهران، توقفت الشاحنة فجأة، رائحة الديزل والرطوبة ملأت الكبينة، والمطر على الزجاج يسمع كنغمة تُذكرني بليالي الصحراء الباردة. حاولت تشغيل المحرك مرارًا، بلا فائدة. الراديو كان يقرأ آيات هادئة من القرآن، الصوت ينساب بين هدير المطر. قلبي تضايق، وخطر في بالي حساب البيت والزواج والمسؤولية التي وعدت بها. لم أجد في فمي سوى تكرار حسبي الله ونعم الوكيل، ليس ككلمات فارغة، بل كشيء أخذ مني عناء الدفع والقلق. بعد ساعة توقف مركبة أخرى، نزل رجل بيدين متلطختين، أصلح سلكا صغيرا بابتسامة بسيطة، وقال إنه يعرف ماذا تفعل المرأة عندما تدعو. في الطريق مرة أخرى، اتصلت بزوجتي وسمعت ضحكتها تطمئنني قبل أن تقول بسيطة، «سافر بسلام». التحول لم يكن في محرك الشاحنة، بل في صدري. تعلمت أن التوكل ليس الانسحاب، بل العمل ثم ترك النتائج بطمأنينة، ومع القرآن والدعاء الأمور تجد طريقها.
كنت أعود من العمل في رمضان، الشوارع في إسطنبول رطبة برائحة البحر وإيقاع الأقدام نحو المسجد. قالوا في المكتب صباحًا إن المشروع سيُقفل، وحالة عدم الأمان ملأت صدري. دخلت شقتي الصغيرة، كانت ليلى قد جهزت التمر والشاي، صوت الأذان ينساب من المآذن، وحفيف الستائر بدا كأن المدينة تتنفس معي. جلست على الطاولة، هاتف في يدي وأوراق منتشرة، أفكر في خطواتي وكأن كل قرار يحتاج ضمانًا من المستقبل. ثم تذكرت آية كنت أقرأها أيام الطفولة، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وبقيت في الصدر كلمة واحدة: توكلت. لم تكن لحظة فارقة، لم يحدث شيء خارق بعد، لكني شعرت باندفاعة هادئة في معدتي، كأن قلبي توقف عن مقاومة الخوف. ذهبت إلى المسجد لصلاة التراويح، في سجودي قلت يا مقلب القلوب ثبت قلبي. لم أعد أطارد النتائج بحماس يذيقني الضغط، بل بدأت أرتب مستنداتي بهدوء، أرسل رسائل، أتحرك بتيقن بدلاً من ذعر. أسبوعان بعد ذلك جاء عرض عمل بسيط من شركة صغيرة، ليس حلًّا كاملاً، لكنه بداية. لم يغير القدر دفعة واحدة، لكنه بدا أثقل بفضل أنني تركت نتائج الأمور لله، ولم أترك أثر الخوف في علاقتي بليلى ولا في سكون رمضان هذا العام.
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تفنّن، كأنني أذكرها لها ولنفسي. بللت شفتَيها بمنديل مبلّل، ثم مسحت يدي بالرائحة المألوفة للزيت الأسود الذي تستعمله لتدليك رأسها منذ طفولتي. عندما وضعتُ الملعقة على شفتيها، أمسكت بيدِي فجأة وبسطت أصابعها حول إصبعي ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة منذ أيام. لم يَشفَ كل شيء بين ليلة وضحاها، لكن تلك القبضة كانت نقطة تحوّل: كلمةُ سكينةٍ من جسد هش، باركةٌ صغيرة في زمنٍ متعب. في الصباح التالي جلست أُصَلِّي، وأدعو أن يكون الشفاءُ أثراً يستمر، أثرٌ لا يمحى.
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئًا بأشياء لا تُحكى. سجدت، وجلست هكذا، أكرر دعاءً صغيرًا قالتها أمي مرة عبر الهاتف حين كنت شابًا مشوشًا. في السجود شعرت ببرودة السجادة على جبيني، وصوت المطر صار أقرب، وشيئًا داخل صدري بدأ يخف. تذكرت: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ. لم تحَل كلّ الأشياء فورًا، لم تُصافحني الإجابات، لكن انفتاح الصدر كان حقيقياً. بعد الصلاة اتصلت بأخي بصوت رقيق، لم نحل كل شيء في تلك المكالمة، لكني شعرت أن شيئًا ما التئم، بصمت، في بيتنا الصغير.
كان سقف المسجد يقطر في صفر الماضي، كل نقطة تروي حكاية خشب قديم وتقصّ علىي تعب الجيران. كإمام هذا المسجد الصغير في أم درمان، شعرت بثقل المسؤولية في صدري، وكنت أعد القوائم وأحسب التبرعات كما يحسب الفقير رزقه. في الليالي كنت أُصلّي الفجر على السطح، والبرد يعضّ أصابعي، أقول بيني وبين نفسي يا رب إنّا لمقاومة القلق. في صباح شتوي جاءت أم صالح، ستٌّ رشيقة بعينين تلمعان من سنوات العمل. حملت كبّاية شاي قديمة وظرفاً مطوياً، جلست على الدكة الخشبية ووضعت الظرف أمامي بصوت هادئ. لم أتوقّع الكثير، فتحت الظرف، ورأيت نقوداً قليلة وورقة صغيرة كتبت عليها: "دعيت لله أن يستخدمها في بيت الله". لم تكن القيمة المادية كبيرة، لكن ملمس الورق والرائحة الخفيفة للزيتون في يديها كسّر شيءٍ في داخلي. جلستُ وأبكيت بصمت، ليس لأن المشكلة حُلّت، بل لأن التوكل بدا لي لحظة صادقة، هدية من امرأةٍ فهمتُها دون كلمات. بعد ذلك بدأ الرجال يجمعون الحطب، وتعاونا على الإصلاح بحماسة هادئة. لم تتبدّل الأشياء دفعة واحدة، لكن في اليوم الذي انقطعت فيه القطرات، شعرت أن شيئاً في قلبي شُفي. لم أعُد أعدّ فقط، بل تعلّمت أن أضع يدي في يد الناس وثقتي في من بيده الأمر، وأن الهداية تأتي أحياناً مع ظرف صغير ووعد من قلبٍ مخلص.
كنت أجلس قرب النافذة المطلة على الميناء في فريتاون، والملح يرفق في الهواء كذكرى كل صباح. كان دكاننا الصغير هادئا منذ أسابيع، الزبائن أقل، والديون أكثر، ومارياما تطبخ حساء العدس بصوت منخفض كما لو كانت تحفظ مساحة للصلاة. فكرت أن أغلق المحل لوقت أطول، أن أبحث عن عمل بعيدا عن بيع الصابون والبطاريات. في تلك الليلة، لم أنم. حملت المصحف المدون بحروف زوجتي، صفحاتها قديمة وموشومة بملاحظات بأقلام ملونة، وجلست على الأرض. فتحت على سور الفجر، صارت الآية أمامي، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، ولم تكن كلمات مجرد نص، بل نَسْمَة على جبين متعب. لم يحدث شيء درامي بعدها، لا مبلغ فجائي ولا معجزة تلوح. لكن في الصباح جاءت أم سانو من السوق ومعها كيس من الأرز، ثم جاء جارنا حسن وعرض أن يشاركنا رحلة صيد غدا. مارياما ضحكت، نقشت دعاء صغير على حافة كفها، وقالت فقط، دعنا نتحمل. الصبر لم يغيّر الخطر، لكنه أنقانا من الاستسلام، وترك أثرا فينا يثبت أننا سنواصل.
كبرت بين موجات الخليج إلا أنني أتذكر طعم السوق في نيروبي أكثر من أي شيء آخر. كانت ليلة قبل خطوبتي، جالسة على أرضية الشقة الصغيرة، ضوء مصباح الكيروسين يترنح، ورائحة القهوة المحمصة تملأ الغرفة. شعرت بثقل الأسئلة، هل يكفي رزقنا؟ هل أطلب تأجيل؟ أم أركن إلى الله وحده. وضعت يدي على المصحف، تذكرت قول الله إن مع العسر يسرا، قلت بصوت خافت، حسبي الله ونعم الوكيل. نمت على هذه الكلمات. في الفجر، طرق أحمد الباب، يحمل كيس دقيق صغير وعلبة شاي. قال إنه باع هاتفه القديم حتى يستطيع أن يأتي بشيء للفطور. نظرت إلى يديه المتشققتين، إلى عينيه الهادئتين وهو يأخذ مصلاه ويصلي قبل أن يضع القدر على النار. كانت تلك اللحظة، عندما رأيت توكله على الله يعمل في أفعال يومية صغيرة، حيث انكسرت مخاوفي. لم يعد التوكل مبرراً للكسل، بل عدسة جديدة أرى بها الرزق، وقرارا أقدم به على الزواج. منذ ذلك الصباح، تعلمت أن أثر التوكل أعمق من أي وعد.
كانت لي سنوات وأنا سائِق شاحنة، الطريق الطويل علمني الذكر والرضا بالمكتوب. ذات ليلة في الشتاء تعطلت الشاحنة خارج مدينة باتنة، رائحة المازوت تملأ الكابينة، والبرد يدخل من كل فتحة. حاولت الاتصال، لا إشارة، شعرت بأن كل حساباتي تنهار، موعد تسليم، مصاريف البيت، خبر والدتي عن ألم في ظهرها قبل أيام. جلست أضع كفيّ على عجلة القيادة، قلت ببطء: إن مع العسر يسرا. لم أعرف أني أرددها حتى أصبحت جزءا من التنفس. نمت قليلا على المقعد، واستيقظت على طرق خفيف على الزجاج. فتح رجل بسيط باب الشاحنة، معه إبريق شاي دافئ وبسكويت، عينه فيها ستر الحنان كعيون أبي. قال إنه صاحب مطعم صغير على الطريق، وظهر أن حفيده بدأ يقرأ القرآن بعد استماعه لتلاوة قديمة. طلب مني أن أترك الشاحنة وسأساعده في تصليحها بلا أجر. بينما الشاي يدفي يديّ سمعت في داخلي هدوءا جديدا، صبر لا يذوب عند أول امتحان. حين وصلت البيت بعد الظهر، رأيت في عينَي والدتي تسليما، وفي يد أبي أثر إصلاح قديم على الأصابع. الصبر الذي علمني الطريق كان هدية، ليس لأنها خلّصتني من المشكلة، بل لأنها جعلتني أرى الهداية في كوب شاي وبسمة غريب.
أمضيت أربعين سنة مع المرضى، كل مداخلة وكل انتظار علّمتني أن الشفاء يبدأ بما لا يظهر على الشاشات. لكن عندما جاء دوري وأبلغوني بأن جسدي يحتاج إلى تدخلٍ عاجل، تحوّل كل ما علّمته إلى أشياء صغيرة: كيف أمسك يد المريض؟ ماذا أقول حتى لو لم يكن هناك كلام؟ جلست في قاعة الانتظار قبل العملية، الستائر نصف مفتوحة، ورائحة المطهر تملأ الهواء، والقفاز القديم لا يزال يذكّرني بصوت خطوات الممرضات. كانت زوجتي تقف خلفي تهمس بدعاء بطيفٍ من كلماتها التي أعرفها منذ أن تزوجنا في حي الحلمية: «اللهم ارزقنا الصبر والشفاء». لم يحمل كلامها وعدًا طبيًا، لكنه كان رزقًا، دفء لمعة في كوب شاي ساخن، قطعة خبزٍ من جارٍ جاء لزيارة، صمتٍ صارمٍ فيه إيمان. قبل أن يدخلوني، تذكّرت آيةً رددتها مع المرضى كثيرًا: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم تكن مجرد كلمات، بل وعدٌ صار جسدًا في تلك اليدين اللتين أمسكني. خرجتُ من غرفة العمليات وفي فمي طعم الشاي وشفاه زوجتي على جبيني؛ لم تُبدِّل الدواء وحده شيئًا، بل رقة المحبة ورزق الله، ولمعنى الصبر الذي صار شفاءً بطيئًا وثابتًا.
في السنة التي مرضت فيها أمي، تعلمتُ أن الصبر ليس صمتاً، بل هو أن تظل واقفاً بينما الأرض تهتز تحتك. كنت أجلس بجانب سريرها وأقرأ سورة يوسف، وأبكي حين تنام. لم أكن أعرف أن هذا صبر، حتى قال لي أبي: "ما تفعلينه الآن، يحبه الله." بعد سنة، لما رحلت، كنت أعرف أنني أعطيتها كل ما عندي.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. كنت مستعدًا لذلك الدرس في صباح الحضور إلى المسجد الصغير في حارةنا بالقاهرة، حيث النوافذ الزجاجية تلوّن ضوء الشمس بخفوفٍ ذهبي، وحصائر الصلاة تحمل رائحة عرق ونعناع من صلاة الصباح. دعوتني مايا، زميلتي القديمة في العيادة، أن أكون حاضرًا معها. قبل سنوات كانت تخاف من الأسئلة، تأتي إلى العيادة بيد مرتجفة، تبحث عن شيء لا نستطيع وصفه بالعلاجات. اليوم جاءته بنفس يد ثابتة، وعيونها رطبة من فرحٍ هاديء. وقف الإمام على منبر الخشب، سألت مايا بصوتٍ واضح، ثم قالت الشهادتين. الكلمات خرجت نقية، كما لو كانت تُفرَغ من زمنٍ كامل داخل صدرها. لم تمضِ لحظات حتى انفجرت المساجد الصغيرة حولنا بالتكبير. التقليد القصير أصبح حضنًا طويلًا. الرجال والأطفال والنساء تتابعت الأيادي على كتفها، والضحكات تمزجها بكاءات صغيرة. شعرت بفرحة جسدية، مثل نبضة دافئة تمر من راحة يدي إلى أطراف أصابعي. أمسكت كوب الشاي بعدها، وقلت في قلبي، توكلت على الله، كما كنت أقول لأهلي ومرضاي. لم يكن احتفالًا بالنهاية، بل بفتحٍ رحب: وجهٌ جديد يضيء في وسط أمتي. خرجنا من المسجد ونحن نردد التكبير، والشمس على وجوهنا تبدو وكأنها تصلي معنا. الحمد لله.
يوم دفننا والدي، جلست في فناء البيت القديم، أتابع حركة الغبار تحت نور المصباح. كان الصوت الوحيد هو خطوات الجيران والأذان البعيد، وكنت أقول بيني وبين نفسي إنا لله وإنا إليه راجعون. لم أكن أعرف متى توقفت قلبي عن الانتفاض، لكني شعرت بأن شيئاً ثابتاً بداخلي ينهار ويعاد بناؤه بطريقةٍ بطيئة. بعد أسابيع وجدت المقعد الخشبي الذي صنعه والدي قبل سنوات، نصفه مكسور، الطلاء متقشراً ورائحة الزيت الحار لا تزال عليه. أخذت أدواتي، وجلست على الأرض بجانبه. كان الهواء يحمل رائحة الليمون من سلة تنظيف جارتنا، وصوت نافذة تُفتح ثم تُغلق. كل مسمارٍ وضعتُه كان تذكيراً بيدٍ علمتني كيف أصمت عندما تكون الكلمات قليلة. بين لقمات خشب ونقطة من الغراء، ضحكت فجأة. لم تكن ضحكة فرح، كانت قبولاً. دعوتُ: اللهم تقبل وتجاوز، ثم وضعت يدي على المقعد واستندت. المقعد حمل وزني، وحملت أنا فقدي بطريقة أخف. شعرت بأن الشفاء ليس قفزاً بعيداً عن الحزن، بل بناء بيت صغير بداخلي بدعاء قبل الحجر.
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل. قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للوقوف وحيداً ثمّ ليس وحيداً. غسلت يديين في الحوض القديم، ثم صليت ركعتين، لم أخطب، فقط دعوتُ: يا رب ارحمه، وذكرْتُ آيةٍ جاءتني في سكون الصلاة، إن مع العسر يسرا. لم تكن المعجزة انفجاراً، بل صوت أمّي عبر الهاتف تقول بصوت مختنق: لم أتخذ وقتاً كافياً، أنا آسفة. التئم شيء ببطء. لم تختفِ الخسارة، لكن شعرت أن أثراً قد وُضع، أثرٌ صغير من صبر ودعاء ومسامحة. خرجت من البيت والشارع لامع، وأخذت معي رائحة الشاي على معصمي، وتذكرت أن الشفاء لا يعلن نفسه، بل يترك أثراً.
أنا ابنة داكار، وكل صباح عندنا في البيت رائحة الشاي الحلو، ويد جدتي البالغة من العمر سبعين رطبة من الحلاوة والطبخ. عندما مرضت بدأ العالم يتقلص، لم تعد مقابلات العمل مهمة، لم تعد رسائل البريد في الصباح تحمل ثقلها. ذاك الصباح في المستشفى، رائحة المعقم، صوت مروحة تطن بلا توقّف، وجدتي في سريرها الورقي، نحيلة لكن عينها لا تفارق سقف الغرفة. لم أتوقع أن يكون تحول قلبي صغيرا، ناعمًا مثل أوراق الشاي. حملت يدها، وقالت بصوت خافت اللهم اشفها. تذكرت آية كنت أرددها بلا تفكير في الليالي الطويلة، إن مع العسر يسرا. صليت خلفها صلاة قصيرة، ولم أعد أحصي المهام التي تنتظرني في العمل. فجأة ظهر لي طريق جديد للحضور، هداية صغيرة، أن أكون هنا الآن. عند خروجنا من المستشفى، وضعت يدي على كتفها، وشعرت بأن الدعاء الذي همست به بقي أثرا في صدري، أثر يذكرني بالنعمة في وسط المرض، وبأن العمل قد يعود ولكن لحظات الحضور لا تعود.
1 د·2 months ago
111
هل لديك قصة تنتمي إلى هذه المجموعة؟ شاركها مع من يبحث عن أثرٍ يشبه أثرك.