بعد خمسة عشر عامًا من النوبات الطويلة والإجراءات السريعة في المستشفى، لم أعد أظن أنني سأجلس يومًا على الطرف الآخر من السرير. أصابني التهاب رئوي في فصل الشتاء بعد وردية ثلاث وعشرين ساعة؛ جاءني الاختناق كصوتٍ غريب تحت الجلد. رائحة الكلور، أزيز جهاز الأكسجين، وسخونة الإبرة في ذراعي، كل ذلك أصبح عالمي.
لم أكن قادرة على ترتيب كلمات الطمأنينة للمرضى؛ كان عليّ أن…
في صباح صيفي، كنت واقفًا فوق ركام موقعٍ قد أمضيتُ فيه شهورًا. الخرسانة ما زالت رطبة تحت الشمس، والرائحة، أسمنت، نفط الماكينات، وشاي من ترمسِ زميل، تعلّق في أنفي. الليلة التي سبقت ذلك لم أنم؛ العميل هدد بالفسخ بسبب تأخير كلفني مبلغًا كبيرًا، والمقاولون يكتبون أرقامًا أعلى على ورقٍ بلا راحة.
أبي كان يقول دائمًا: الرزق لا تأتي به العجلة. لم أكن أذكر كلامه كحكم…
صحو رمضان في مومباسا له طعم خاص، رائحة الحمص المطبوخ، ملوحة البحر تتسلل من الشباك، وصوت المؤذن ينساب فوق الأشجار. في منتصف الشهر أصبت بحمى مفاجئة، صداع يطرق جبهتي كما لو أن الشارع يصرخ داخل رأسي، وقيء جعلني أعد الأيام بقسوة. لم أكن أقوى على الصوم، ورفضت في داخلي تركه.
أدخلنا المستشفى، الضمادات رطبة من العرق، جهاز يقرأ ضوء نبضي، ومروحة صغيرة تكافح الهواء. حي…
كان رمضان في آخر سنة اشتدت فيها الرياح على محلي في السوق. وصلت رسائل من الموردين، أرقام تتكرر كقضية لا حل لها، ورائحة قهوة بالهيل تعبق من دكان الشاي أمام المتجر، تذكرني بأن الحياة تستمر. في إحدى الليالي، بعد أن أفطرنا بسرعة لأن الأصوات في الشارع كانت تغفلني عن القلق، فتحت المصحف، ورأيت كتابة صغيرة على هامش الآية، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم أكن أبحث ع…
كان الصباح بارداً، والمدينة تتنفس ببطء بعد ثلج ليلة كاملة. فتحت شباك الشرفة لأدفع عبق الفحم إلى الخارج، ورأيت علبة صفيح صغيرة وضعناها العام الماضي، بقايا شتلة تين ضعيفة بداخلها. لم أكن أنوي الكثير، فقط كفيانقناع أن أفعل شيئاً بسيطاً. فتحت التراب، شممت رطوبته، ملمست الجذور الرقيقة بين أصابعي، تذكرت صوت خالتي وهي تكرر فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا حين كنا نحف…
قبل أن أعلَم كيف أُسمي إيماني، قبل أن أتقن التحيات وأعرف أوقات الصلاة، كانت غرفتي في راشولم تبدو أكبر منّي. قبيل منتصف ليل يناير، وأنا وحيد في شقّتي الصغيرة، سمعت صفير الإبريق. بخار الشاي ملأ المطبخ، ومطر مانشستر يطرق الزجاج بمقاطع متقطعة. موضوع على الطاولة سجادة صلاة صغيرة، هويتِها على كرسي بلاستيكي. لم أتصل بوالدي منذ أشهر بعدما أخبرتهما أنني اعتنقت الإسلا…
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي.
صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات…
ولدت في كابل، ولكن في ذلك الصباح كنت في غرفة مستأجرة في مدينة لم تعن لي شيئًا غير اسمها على جواز سفري. النافذة مطلية بطلاء متقشر، والهواء يحمل رائحة خبز ووقود محروق من المطبخ المجاور. رمضان كان يجمعنا بعلامات صغيرة، ساعة تأخير في السحور، همسة دعاء خلف الستار.
فتحت المصحف القديم الذي أهدته إياي أمي قبل الرحيل، ورأيت السطر الذي ظننت أني أعرفه عن ظهر قلب، فَإِن…
أتذكّر الليلة التي قضيتها قبالة سرير ليلى في مستشفى بالرباط، ضوء الممر خفيف كالهمس، ورائحة المعقم تعانق رائحة شعرك الناعم. كان قلبها يغرد بهدوء عبر جهاز صغير، وصوت الطمأنينة الوحيد بالنسبة لي كان تلاوة آيات قليلة في هاتفي، عادتني آية: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم أقلّ كلمات كبيرة، قلتُ: «اللهم اشفِها»، وكرّرتُها كأنها نفس أدخل فيه الحياة إلى صدري.
جلس…
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي.
في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي…
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني كيف أصغي أكثر مما أتكلم. في ليلة مطيرة على طريق الجزائر إلى وهران، توقفت الشاحنة فجأة، رائحة الديزل والرطوبة ملأت الكبينة، والمطر على الزجاج يسمع كنغمة تُذكرني بليالي الصحراء الباردة. حاولت تشغيل المحرك مرارًا، بلا فائدة. الراديو كان يقرأ آيات هادئة من القرآن، الصوت ينساب بين هدير المطر. قلبي تضايق، وخطر في بالي حساب…
كنت أعود من العمل في رمضان، الشوارع في إسطنبول رطبة برائحة البحر وإيقاع الأقدام نحو المسجد. قالوا في المكتب صباحًا إن المشروع سيُقفل، وحالة عدم الأمان ملأت صدري. دخلت شقتي الصغيرة، كانت ليلى قد جهزت التمر والشاي، صوت الأذان ينساب من المآذن، وحفيف الستائر بدا كأن المدينة تتنفس معي.
جلست على الطاولة، هاتف في يدي وأوراق منتشرة، أفكر في خطواتي وكأن كل قرار يحتاج…
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تف…
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئ…
كان سقف المسجد يقطر في صفر الماضي، كل نقطة تروي حكاية خشب قديم وتقصّ علىي تعب الجيران. كإمام هذا المسجد الصغير في أم درمان، شعرت بثقل المسؤولية في صدري، وكنت أعد القوائم وأحسب التبرعات كما يحسب الفقير رزقه. في الليالي كنت أُصلّي الفجر على السطح، والبرد يعضّ أصابعي، أقول بيني وبين نفسي يا رب إنّا لمقاومة القلق.
في صباح شتوي جاءت أم صالح، ستٌّ رشيقة بعينين تل…
كنت أجلس قرب النافذة المطلة على الميناء في فريتاون، والملح يرفق في الهواء كذكرى كل صباح. كان دكاننا الصغير هادئا منذ أسابيع، الزبائن أقل، والديون أكثر، ومارياما تطبخ حساء العدس بصوت منخفض كما لو كانت تحفظ مساحة للصلاة. فكرت أن أغلق المحل لوقت أطول، أن أبحث عن عمل بعيدا عن بيع الصابون والبطاريات.
في تلك الليلة، لم أنم. حملت المصحف المدون بحروف زوجتي، صفحاتها…
كبرت بين موجات الخليج إلا أنني أتذكر طعم السوق في نيروبي أكثر من أي شيء آخر. كانت ليلة قبل خطوبتي، جالسة على أرضية الشقة الصغيرة، ضوء مصباح الكيروسين يترنح، ورائحة القهوة المحمصة تملأ الغرفة. شعرت بثقل الأسئلة، هل يكفي رزقنا؟ هل أطلب تأجيل؟ أم أركن إلى الله وحده.
وضعت يدي على المصحف، تذكرت قول الله إن مع العسر يسرا، قلت بصوت خافت، حسبي الله ونعم الوكيل. نمت…
كانت لي سنوات وأنا سائِق شاحنة، الطريق الطويل علمني الذكر والرضا بالمكتوب. ذات ليلة في الشتاء تعطلت الشاحنة خارج مدينة باتنة، رائحة المازوت تملأ الكابينة، والبرد يدخل من كل فتحة. حاولت الاتصال، لا إشارة، شعرت بأن كل حساباتي تنهار، موعد تسليم، مصاريف البيت، خبر والدتي عن ألم في ظهرها قبل أيام.
جلست أضع كفيّ على عجلة القيادة، قلت ببطء: إن مع العسر يسرا. لم أعر…
أمضيت أربعين سنة مع المرضى، كل مداخلة وكل انتظار علّمتني أن الشفاء يبدأ بما لا يظهر على الشاشات. لكن عندما جاء دوري وأبلغوني بأن جسدي يحتاج إلى تدخلٍ عاجل، تحوّل كل ما علّمته إلى أشياء صغيرة: كيف أمسك يد المريض؟ ماذا أقول حتى لو لم يكن هناك كلام؟
جلست في قاعة الانتظار قبل العملية، الستائر نصف مفتوحة، ورائحة المطهر تملأ الهواء، والقفاز القديم لا يزال يذكّرني…
في السنة التي مرضت فيها أمي، تعلمتُ أن الصبر ليس صمتاً، بل هو أن تظل واقفاً بينما الأرض تهتز تحتك. كنت أجلس بجانب سريرها وأقرأ سورة يوسف، وأبكي حين تنام. لم أكن أعرف أن هذا صبر، حتى قال لي أبي: "ما تفعلينه الآن، يحبه الله." بعد سنة، لما رحلت، كنت أعرف أنني أعطيتها كل ما عندي.
أنا ابنة داكار، وكل صباح عندنا في البيت رائحة الشاي الحلو، ويد جدتي البالغة من العمر سبعين رطبة من الحلاوة والطبخ. عندما مرضت بدأ العالم يتقلص، لم تعد مقابلات العمل مهمة، لم تعد رسائل البريد في الصباح تحمل ثقلها. ذاك الصباح في المستشفى، رائحة المعقم، صوت مروحة تطن بلا توقّف، وجدتي في سريرها الورقي، نحيلة لكن عينها لا تفارق سقف الغرفة.
لم أتوقع أن يكون تحول…
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سود…
أتذكر ذلك الليل في مستشفى في عمان، كان رمضان، والساعات ثقيلة كالماء. في جناح الأطفال الخافق، رائحة الكلور تداخلت مع عبق الهيل في thermos إحدى الزميلات. أم صغيرة تضمد صدر مولودها المتعب، حنجرته لا تصدر سوى أنفاس رقيقة، وراقبنا جهاز التنفس كما لو كان قرص مفاتيح لمستقبلٍ صغير.
قضيت ساعات أطهرها بين قياسات وطمأنات وهمسات قرآنية أسمعها من هاتف في زاوية. تكررت دعو…
كنتُ جالسة على شرفة شقتنا الصغيرة في الدوحة، رائحة قهوة الهيل تعبق من داخل المطبخ، والبحر يهمس بعيداً. في جيبي رسالة لم تُفتح بعد، قرار مانح لبحثي يعتمد عليه دخل الأسرة القادمة أو لا. عملي كباحثة اجتماعية علمني أن أعد الأرقام، لكن في تلك اللحظة كانت الأرقام لا تواسي قلبي.
سالم كان في الداخل يرتب أوراق الأطفال، صوته خافت كما لو أنه لا يريد أن يزعج خوفي. دخلتُ…
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل.
قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للو…
الحرّ في ممباسا يلازمني حتى في الصباح الباكر، رائحة الكمون والبحر تملأ الشارع بينما أحمل دفتر فواتيري في حقيبة مكتبي القديمة. منذ أسابيع وأنا أعدّ أرقامًا لنهاية الشهر، والمدير يقول بصوتٍ متردد إن التعاقد قد لا يتجدد. قلبي كان كقطعة قماش مبللة، ثقيلة، ولكني استيقظت في وقت الفجر وصليت وأدرت يدي بالدعاء بصمت. قلت هُنا، يا رب، قد فعلت ما عليّ. توكلت عليك.
في ا…
في رمضان قبل سنتين كنت في سوق المباركية أراجع دفاتر العملاء بينما كان زبائني يضغطون، الجو كان ثقيلًا مثل الهواء بعد صلاة الظهر. صليت الظهر في زاوية المحل ثم عاد الألم، إسهال وحرارة أخذتني بسرعة. حاولت أن أصبر وأكمل البيع، قلت لنفسي أن التجارة لا تنتظر. بعد ساعتين لم أستطع الوقوف، زوجتي أوصلتني إلى مستوصف قريب، ورائحة المطهرات وقصاصات الضوء من المصباح الطبي ك…
ذات ليلة جلست بجانب سرير أمي في مستشفى قريب من البحر في داكار. الهواء يحمل رائحة مطهرات وموزاييك من أصوات المولد والبكاء البعيد. كانت يداها باردة تحت بطانية مطوية، وكنت أعد أزرار قميصها كما لو أن هذا سيعيد ترتيب الأيام. جدتي جاءت وهي تمسك كوب شاي بالنعناع، جلست بلا ضجيج وبدأت تدعو بصوت منخفض، كلمات اعتدتها منذ الطفولة، ثم همست: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.…
أنا من كابول، لكن حين مرضت لم أكن في بيتي. كنت في غرفة مؤجرة في مدينة أخرى، النافذة صغيرة وتدخلها شمس باردة في الصباح. الألم كان يترك طعم الحديد في فمي، والدواء أغلى من المبلغ الذي جمعته. فقدت أمّي قبل سنوات، وكانت يداها تصنع لي الشاي بالهيل لو شعرت بالحمى. في ذلك الصباح تذكرت صوتها أكثر من أي شيء.
جارتنا، امرأة مسنّة تعرفت إليها منذ شهر، طرقت الباب ومعها ك…
في ليلة ربيعية من رمضان، اشتد عليّ السعال حتى شعرت أن صدري قد انتهى. كنت في بيتنا في نابلس، حيث رائحة الزيتون تدخل من الشباك وتختلط برائحة الحساء الذي أعدته أمي. لم أستطع القيام من الفراش لأفطر، شعرت بالذنب قبل الجوع. أرسلوا لي دواء، وحاملة الدواء كانت أم جابر من الحي، حرّكت منديلها برفق وهي تقول، توب، رجعت لربنا، لا تكابر.
الآذان للعشاء جاء من المسجد القريب…
بعد خمسة عشر عامًا من النوبات الطويلة والإجراءات السريعة في المستشفى، لم أعد أظن أنني سأجلس يومًا على الطرف الآخر من السرير. أصابني التهاب رئوي في فصل الشتاء بعد وردية ثلاث وعشرين ساعة؛ جاءني الاختناق كصوتٍ غريب تحت الجلد. رائحة الكلور، أزيز جهاز الأكسجين، وسخونة الإبرة في ذراعي، كل ذلك أصبح عالمي. لم أكن قادرة على ترتيب كلمات الطمأنينة للمرضى؛ كان عليّ أن أجدها لنفسي. جاء الزملاء بوجبات ساخنة وصندوق صغير فيه نقود جمعوها لتغطية أجرة تكاليف إضافية. كانت تلك اليد الممتدة رزقًا لم أتوقعه، ليس فقط مادياً بل كإقرار بأني لستُ وحيدة. في ليلةٍ باهتة، سمعتُ الأذان من نافذة الغرفة. حاولتُ أن أتنفس ببطء، قلتُ بين الشهيق والزفير: «اللهم اشفِني شفاءً لا يغادر سقماً». عندما انتهى المأذون، أحد الممرضات، فتاةٌ شابة، جلست بجانبي ووضعت يدها على صدري وقالت بهدوء: «حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوَكِيل». شعرت بأن الصلاة لم تعد خارجية بل داخليّة، كنبضٍ يثبت أن التوكل فعل حي. لا أملك وصفة شفاء، لكنني تعلمت شيئًا عمليًا: أن المرض يختبر الإيمان والرزق لا يأتي دائمًا في مظاهره الباهرة. أحيانًا يكون رزقًا في فنجان شاي دافئ، وأحيانًا في يدٍ تمسك يدك حين يرهقك الصدر. حينها، يكفي أن أتنفس، وأثق، وأدعُ.
في صباح صيفي، كنت واقفًا فوق ركام موقعٍ قد أمضيتُ فيه شهورًا. الخرسانة ما زالت رطبة تحت الشمس، والرائحة، أسمنت، نفط الماكينات، وشاي من ترمسِ زميل، تعلّق في أنفي. الليلة التي سبقت ذلك لم أنم؛ العميل هدد بالفسخ بسبب تأخير كلفني مبلغًا كبيرًا، والمقاولون يكتبون أرقامًا أعلى على ورقٍ بلا راحة. أبي كان يقول دائمًا: الرزق لا تأتي به العجلة. لم أكن أذكر كلامه كحكمةٍ جميلة فقط، بل كقيدٍ عملي. في لحظةٍ من الارتباك اعترفت لنفسي أنني حاولتُ تسريع العمل بقطعٍ هنا وهنالك، وأسرفت في الثقة بأن الوقت سيعالج كل شيء. استغفرت وتبت، توبة صغيرة، لا دراما، ثم خرجت لأصلي ركعتين قرب موقع صغير للمساجد، أشعر بالحر تحت جبهتي. قلت في قلبي: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، ثم قررت أن أتصرف بدل أن أركن للقلق. عقدت اجتماعًا صادقًا مع العميل، وقلتْ لي مرشدٌ قديم بين العمّال كيف نعيد العمل بموادٍ أفضل دون تكلفة إضافية كبيرة. لم يكن حلًّا سحريًا، لكن الهدوء عاد ببطء. فقدتُ أموالًا ووقتًا، وربحتُ درسًا: التوكل ليس تخليًا، بل عملٌ مع تسليم النتيجة للخالق، وتوبة على ما قصرنا فيه.
صحو رمضان في مومباسا له طعم خاص، رائحة الحمص المطبوخ، ملوحة البحر تتسلل من الشباك، وصوت المؤذن ينساب فوق الأشجار. في منتصف الشهر أصبت بحمى مفاجئة، صداع يطرق جبهتي كما لو أن الشارع يصرخ داخل رأسي، وقيء جعلني أعد الأيام بقسوة. لم أكن أقوى على الصوم، ورفضت في داخلي تركه. أدخلنا المستشفى، الضمادات رطبة من العرق، جهاز يقرأ ضوء نبضي، ومروحة صغيرة تكافح الهواء. حين حل أذان المغرب عبر مكبر صغير في ردهة الطوارئ، شعرت بشيء يخف. قلت في قلبي آية، "إن مع العسر يسرا"، ثم همست دعاء لا أعرف كيف أقول بصوت مرتفع. أحمد وضع يده على جبهتي، جلب تمرتين من جيبه، قال بهدوء تعالي نكسرها معا. لم يكن الشفاء فوريا. لكنني عدت لأحصي النعم: اليد التي تمسح جبيني، جارٌ ترك لي طبقا من السمبوسة، بلطف الممرضة التي فهمت أن الصيام ليس شهادة للشدة. في تلك الليلة، تعلمت أن الشكر لا يلغي ضعف الجسد، بل يضيف له خيطا من أمل.
كان رمضان في آخر سنة اشتدت فيها الرياح على محلي في السوق. وصلت رسائل من الموردين، أرقام تتكرر كقضية لا حل لها، ورائحة قهوة بالهيل تعبق من دكان الشاي أمام المتجر، تذكرني بأن الحياة تستمر. في إحدى الليالي، بعد أن أفطرنا بسرعة لأن الأصوات في الشارع كانت تغفلني عن القلق، فتحت المصحف، ورأيت كتابة صغيرة على هامش الآية، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم أكن أبحث عن معجزات، كنت أبحث عن خطة، لكن الكلمات جلست في صدري كبرميل ماء برد. صليت، ركعتين أطول مما اعتدت، جلست في السجود أطول، همست حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم تركت الأرقام على الطاولة والعهد على الله. لم يحدث شيء خارق في الساعة التالية، لكن في منتصف النهار اتصل عميل قديم ليؤجل دفعة كبيرة إلى اليوم نفسه، ومورد أخبرني أن حمولة طازجة وصلت بدل التأخير. لم تسقط المشاكل، لكنها تغيرت، وصار قلبي أخف. تعلمت أن التوكل ليس أن لا تعمل، بل أن تعمل وأنت لا تحبس النفس على النتيجة، وتعود إلى سجادة الصلاة عندما يشتد الزمان.
كان الصباح بارداً، والمدينة تتنفس ببطء بعد ثلج ليلة كاملة. فتحت شباك الشرفة لأدفع عبق الفحم إلى الخارج، ورأيت علبة صفيح صغيرة وضعناها العام الماضي، بقايا شتلة تين ضعيفة بداخلها. لم أكن أنوي الكثير، فقط كفيانقناع أن أفعل شيئاً بسيطاً. فتحت التراب، شممت رطوبته، ملمست الجذور الرقيقة بين أصابعي، تذكرت صوت خالتي وهي تكرر فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا حين كنا نحفر خنادق من الذكريات بعد الحرب. ليلى كانت لا تزال نائمة في الغرفة، أنفاسها بطيئة، شعري الأبيض عند صدغيّين يذكرني بزمنٍ من الصبر. غسلت يدي بالماء البارد، وسألت ربي بصوت خفيف، دعاء لم أعلنه يوماً كبيراً، فقط رَبِّ يَسِّر. غرزت الشتلة في العلبة، ضغطت التراب حولها كما يضم الرجل من يحب في وقت الخوف. لم يحدث شيء عظيم في ذلك اليوم سوى صمتٍ طويل، وصمتٌ جميل. بعد أسابيع صغيرة بدأ ورقة جديدة تلوح. لم يعد عملي جارياً لإثبات شيء، بل ممارسة صبرٍ بسيط، وفعل محبة صغير، أثر يتركه شيء حي فوق الشرفة، فوق المدينة، فوق قلوبنا.
قبل أن أعلَم كيف أُسمي إيماني، قبل أن أتقن التحيات وأعرف أوقات الصلاة، كانت غرفتي في راشولم تبدو أكبر منّي. قبيل منتصف ليل يناير، وأنا وحيد في شقّتي الصغيرة، سمعت صفير الإبريق. بخار الشاي ملأ المطبخ، ومطر مانشستر يطرق الزجاج بمقاطع متقطعة. موضوع على الطاولة سجادة صلاة صغيرة، هويتِها على كرسي بلاستيكي. لم أتصل بوالدي منذ أشهر بعدما أخبرتهما أنني اعتنقت الإسلام. كل رسالة لم تُردّ عليها جعلت قلبي يثقل. قمت غسلت يدي، صليت ركعتين بصوت هادئ، وقلت دعاء بسيط بين الصمت، اللهم إني أسألك شفاءً للقلب. تذكرت الآية، فمع العسر يسرا. لم تكن معجزة فورية. كانت لحظة صبر، تنفس، ثم مواصلة يوم آخر. عندما جلست لأرتشف الشاي، رنّ هاتفي. رسالة من أختي، كلمة وحيدة، هل أنت بخير؟ جلست أقرأها وأشعر بأن شيئًا في صدري يلين. لم تُحل كل الأشياء، لكن ذاك المساح الذي فتحته الصلوات والدعاء كان بداية الشفاء. الصبر هنا لم يكن انتظارًا فارغًا، بل فعل صغير من الاستمرار.
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي. صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات النوارس. قلت بصوت خفيف، "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، وقلت بعدها دعاء لا أصل له سوى تنهيدة، "يا رب، ما لي إلا أنت". لم يحدث شيء خارق. لم تصل وظيفة من السماء، ولم تفتح أبواب في تلك اللحظة. لكن شيء صغر في صدري، كأن ثقلًا قد توقف عن الضغط. قبل أن أغادر، مدّ لي رجل عجوز كوب شاي، قال بعينين لا تحكمان، "توكل، يا بني، كله بيد الله". لم تكن نصيحة جديدة، لكنها كانت هداية جاءت في لحظة جاهزة للاستقبال. عدت عبر الجسر بخطوات أخف، ومعي يقين هادئ أن الطريق قد لا يكون مفروشًا، لكنه ليس وحيدًا.
ولدت في كابل، ولكن في ذلك الصباح كنت في غرفة مستأجرة في مدينة لم تعن لي شيئًا غير اسمها على جواز سفري. النافذة مطلية بطلاء متقشر، والهواء يحمل رائحة خبز ووقود محروق من المطبخ المجاور. رمضان كان يجمعنا بعلامات صغيرة، ساعة تأخير في السحور، همسة دعاء خلف الستار. فتحت المصحف القديم الذي أهدته إياي أمي قبل الرحيل، ورأيت السطر الذي ظننت أني أعرفه عن ظهر قلب، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. لم يحدث شيء خارق بعد قراءته، لم تهطل رزق مفاجئ، لكن يديان توقفتا عن ارتعاشهما. الطلب الذي كنت أكرره في الخفاء، اللهم ارزقني الصبر، صار أقل تشويشًا. خرجت لأغسل كوب الصباح، وأعطيته بجوار الباب لجارة صغيرة تقلق على طفلها المريض. لم تكن هدية عظيمة، لكنها أثبتت لنفسي أن الصبر فعل، ليس مجرد انتظار. في صوت الأذان البعيد، شعرت ببيت صغير يقيم في صدري، بيت لا يحتاج إلى عنوان ليبقى موطناً. هناك، مع رائحة الشاي المرة وورق المصحف بين يدي، أدركت أن الصبر لا يزيل الليل دفعة واحدة، لكنه يجعل كل فجر ممكنًا.
أتذكّر الليلة التي قضيتها قبالة سرير ليلى في مستشفى بالرباط، ضوء الممر خفيف كالهمس، ورائحة المعقم تعانق رائحة شعرك الناعم. كان قلبها يغرد بهدوء عبر جهاز صغير، وصوت الطمأنينة الوحيد بالنسبة لي كان تلاوة آيات قليلة في هاتفي، عادتني آية: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم أقلّ كلمات كبيرة، قلتُ: «اللهم اشفِها»، وكرّرتُها كأنها نفس أدخل فيه الحياة إلى صدري. جلستُ على كرسي بلاستيكي بارد، أطبّق بطانيتها الصغيرة، أعدُّ أنفاسي مع كل طيّة. كُنتُ أصنع لها شاي النعناع بماءٍ من آلة في الردهة، رائحة النعناع كانت ترفقنا كما لو أن شيئًا بسيطًا من بيتنا جاء ليلحظ الألم. قبل الفجر خرجت لأوضأ من حنفية صغيرة، الماء البارد كشحذ، وصليتُ ركعتين على سجادةٍ صغيرة، لم أخبر أحدًا أني أحسست حينها بأن شيئًا قد انفتح داخلي. التحوّل لم يكن صرخة احتفال، بل ابتسامة صغيرة عندما شربت ليلى قليلًا من الحليب. في ذاك الصباح فهمتُ أن الصبر ليس انتظارًا مؤقتًا فقط، بل تنفّسٌ رقيق ومتواصل: تلاوة، دعاء، طيّ بطانية، شاي نعناع، أشياء تترك أثرًا. خرجنا إلى البيت بعد أيام، ورائحة النعناع في المطبخ كانت تحكي لي أن الأثر بقي.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي. في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي، أشياء صغيرة لكنها حقيقية. عندما هدأت الأنظمة قليلاً همست آية: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». لم تكن كلمات طبية؛ كانت بذرة ثقة. الجراحون فعلوا ما عليهم. لكن تحوّلي بدا في لحظة قصيرة بعد الظهر: وضعت سجادًا للصلاة بجانبي لتهدئة نفسي، أقمت صلاتي كأنها وعد، لا بدّ أن أُسلّم أمري. لم يحدث شيء درامي، لا معجزة مفاجئة، فقط هدوءٍ دخل جسدي وقلبي معًا. الطبيب الذي اعتاد أن يعالج الآخرين عرف أخيرًا أن الشفاء قد يكون قبلة هادئة على جبين الخوف، وأن التوكل أحيانًا هو الدواء الذي يكمل العلاج.
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني كيف أصغي أكثر مما أتكلم. في ليلة مطيرة على طريق الجزائر إلى وهران، توقفت الشاحنة فجأة، رائحة الديزل والرطوبة ملأت الكبينة، والمطر على الزجاج يسمع كنغمة تُذكرني بليالي الصحراء الباردة. حاولت تشغيل المحرك مرارًا، بلا فائدة. الراديو كان يقرأ آيات هادئة من القرآن، الصوت ينساب بين هدير المطر. قلبي تضايق، وخطر في بالي حساب البيت والزواج والمسؤولية التي وعدت بها. لم أجد في فمي سوى تكرار حسبي الله ونعم الوكيل، ليس ككلمات فارغة، بل كشيء أخذ مني عناء الدفع والقلق. بعد ساعة توقف مركبة أخرى، نزل رجل بيدين متلطختين، أصلح سلكا صغيرا بابتسامة بسيطة، وقال إنه يعرف ماذا تفعل المرأة عندما تدعو. في الطريق مرة أخرى، اتصلت بزوجتي وسمعت ضحكتها تطمئنني قبل أن تقول بسيطة، «سافر بسلام». التحول لم يكن في محرك الشاحنة، بل في صدري. تعلمت أن التوكل ليس الانسحاب، بل العمل ثم ترك النتائج بطمأنينة، ومع القرآن والدعاء الأمور تجد طريقها.
كنت أعود من العمل في رمضان، الشوارع في إسطنبول رطبة برائحة البحر وإيقاع الأقدام نحو المسجد. قالوا في المكتب صباحًا إن المشروع سيُقفل، وحالة عدم الأمان ملأت صدري. دخلت شقتي الصغيرة، كانت ليلى قد جهزت التمر والشاي، صوت الأذان ينساب من المآذن، وحفيف الستائر بدا كأن المدينة تتنفس معي. جلست على الطاولة، هاتف في يدي وأوراق منتشرة، أفكر في خطواتي وكأن كل قرار يحتاج ضمانًا من المستقبل. ثم تذكرت آية كنت أقرأها أيام الطفولة، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وبقيت في الصدر كلمة واحدة: توكلت. لم تكن لحظة فارقة، لم يحدث شيء خارق بعد، لكني شعرت باندفاعة هادئة في معدتي، كأن قلبي توقف عن مقاومة الخوف. ذهبت إلى المسجد لصلاة التراويح، في سجودي قلت يا مقلب القلوب ثبت قلبي. لم أعد أطارد النتائج بحماس يذيقني الضغط، بل بدأت أرتب مستنداتي بهدوء، أرسل رسائل، أتحرك بتيقن بدلاً من ذعر. أسبوعان بعد ذلك جاء عرض عمل بسيط من شركة صغيرة، ليس حلًّا كاملاً، لكنه بداية. لم يغير القدر دفعة واحدة، لكنه بدا أثقل بفضل أنني تركت نتائج الأمور لله، ولم أترك أثر الخوف في علاقتي بليلى ولا في سكون رمضان هذا العام.
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تفنّن، كأنني أذكرها لها ولنفسي. بللت شفتَيها بمنديل مبلّل، ثم مسحت يدي بالرائحة المألوفة للزيت الأسود الذي تستعمله لتدليك رأسها منذ طفولتي. عندما وضعتُ الملعقة على شفتيها، أمسكت بيدِي فجأة وبسطت أصابعها حول إصبعي ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة منذ أيام. لم يَشفَ كل شيء بين ليلة وضحاها، لكن تلك القبضة كانت نقطة تحوّل: كلمةُ سكينةٍ من جسد هش، باركةٌ صغيرة في زمنٍ متعب. في الصباح التالي جلست أُصَلِّي، وأدعو أن يكون الشفاءُ أثراً يستمر، أثرٌ لا يمحى.
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئًا بأشياء لا تُحكى. سجدت، وجلست هكذا، أكرر دعاءً صغيرًا قالتها أمي مرة عبر الهاتف حين كنت شابًا مشوشًا. في السجود شعرت ببرودة السجادة على جبيني، وصوت المطر صار أقرب، وشيئًا داخل صدري بدأ يخف. تذكرت: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ. لم تحَل كلّ الأشياء فورًا، لم تُصافحني الإجابات، لكن انفتاح الصدر كان حقيقياً. بعد الصلاة اتصلت بأخي بصوت رقيق، لم نحل كل شيء في تلك المكالمة، لكني شعرت أن شيئًا ما التئم، بصمت، في بيتنا الصغير.
كان سقف المسجد يقطر في صفر الماضي، كل نقطة تروي حكاية خشب قديم وتقصّ علىي تعب الجيران. كإمام هذا المسجد الصغير في أم درمان، شعرت بثقل المسؤولية في صدري، وكنت أعد القوائم وأحسب التبرعات كما يحسب الفقير رزقه. في الليالي كنت أُصلّي الفجر على السطح، والبرد يعضّ أصابعي، أقول بيني وبين نفسي يا رب إنّا لمقاومة القلق. في صباح شتوي جاءت أم صالح، ستٌّ رشيقة بعينين تلمعان من سنوات العمل. حملت كبّاية شاي قديمة وظرفاً مطوياً، جلست على الدكة الخشبية ووضعت الظرف أمامي بصوت هادئ. لم أتوقّع الكثير، فتحت الظرف، ورأيت نقوداً قليلة وورقة صغيرة كتبت عليها: "دعيت لله أن يستخدمها في بيت الله". لم تكن القيمة المادية كبيرة، لكن ملمس الورق والرائحة الخفيفة للزيتون في يديها كسّر شيءٍ في داخلي. جلستُ وأبكيت بصمت، ليس لأن المشكلة حُلّت، بل لأن التوكل بدا لي لحظة صادقة، هدية من امرأةٍ فهمتُها دون كلمات. بعد ذلك بدأ الرجال يجمعون الحطب، وتعاونا على الإصلاح بحماسة هادئة. لم تتبدّل الأشياء دفعة واحدة، لكن في اليوم الذي انقطعت فيه القطرات، شعرت أن شيئاً في قلبي شُفي. لم أعُد أعدّ فقط، بل تعلّمت أن أضع يدي في يد الناس وثقتي في من بيده الأمر، وأن الهداية تأتي أحياناً مع ظرف صغير ووعد من قلبٍ مخلص.
كنت أجلس قرب النافذة المطلة على الميناء في فريتاون، والملح يرفق في الهواء كذكرى كل صباح. كان دكاننا الصغير هادئا منذ أسابيع، الزبائن أقل، والديون أكثر، ومارياما تطبخ حساء العدس بصوت منخفض كما لو كانت تحفظ مساحة للصلاة. فكرت أن أغلق المحل لوقت أطول، أن أبحث عن عمل بعيدا عن بيع الصابون والبطاريات. في تلك الليلة، لم أنم. حملت المصحف المدون بحروف زوجتي، صفحاتها قديمة وموشومة بملاحظات بأقلام ملونة، وجلست على الأرض. فتحت على سور الفجر، صارت الآية أمامي، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، ولم تكن كلمات مجرد نص، بل نَسْمَة على جبين متعب. لم يحدث شيء درامي بعدها، لا مبلغ فجائي ولا معجزة تلوح. لكن في الصباح جاءت أم سانو من السوق ومعها كيس من الأرز، ثم جاء جارنا حسن وعرض أن يشاركنا رحلة صيد غدا. مارياما ضحكت، نقشت دعاء صغير على حافة كفها، وقالت فقط، دعنا نتحمل. الصبر لم يغيّر الخطر، لكنه أنقانا من الاستسلام، وترك أثرا فينا يثبت أننا سنواصل.
كبرت بين موجات الخليج إلا أنني أتذكر طعم السوق في نيروبي أكثر من أي شيء آخر. كانت ليلة قبل خطوبتي، جالسة على أرضية الشقة الصغيرة، ضوء مصباح الكيروسين يترنح، ورائحة القهوة المحمصة تملأ الغرفة. شعرت بثقل الأسئلة، هل يكفي رزقنا؟ هل أطلب تأجيل؟ أم أركن إلى الله وحده. وضعت يدي على المصحف، تذكرت قول الله إن مع العسر يسرا، قلت بصوت خافت، حسبي الله ونعم الوكيل. نمت على هذه الكلمات. في الفجر، طرق أحمد الباب، يحمل كيس دقيق صغير وعلبة شاي. قال إنه باع هاتفه القديم حتى يستطيع أن يأتي بشيء للفطور. نظرت إلى يديه المتشققتين، إلى عينيه الهادئتين وهو يأخذ مصلاه ويصلي قبل أن يضع القدر على النار. كانت تلك اللحظة، عندما رأيت توكله على الله يعمل في أفعال يومية صغيرة، حيث انكسرت مخاوفي. لم يعد التوكل مبرراً للكسل، بل عدسة جديدة أرى بها الرزق، وقرارا أقدم به على الزواج. منذ ذلك الصباح، تعلمت أن أثر التوكل أعمق من أي وعد.
كانت لي سنوات وأنا سائِق شاحنة، الطريق الطويل علمني الذكر والرضا بالمكتوب. ذات ليلة في الشتاء تعطلت الشاحنة خارج مدينة باتنة، رائحة المازوت تملأ الكابينة، والبرد يدخل من كل فتحة. حاولت الاتصال، لا إشارة، شعرت بأن كل حساباتي تنهار، موعد تسليم، مصاريف البيت، خبر والدتي عن ألم في ظهرها قبل أيام. جلست أضع كفيّ على عجلة القيادة، قلت ببطء: إن مع العسر يسرا. لم أعرف أني أرددها حتى أصبحت جزءا من التنفس. نمت قليلا على المقعد، واستيقظت على طرق خفيف على الزجاج. فتح رجل بسيط باب الشاحنة، معه إبريق شاي دافئ وبسكويت، عينه فيها ستر الحنان كعيون أبي. قال إنه صاحب مطعم صغير على الطريق، وظهر أن حفيده بدأ يقرأ القرآن بعد استماعه لتلاوة قديمة. طلب مني أن أترك الشاحنة وسأساعده في تصليحها بلا أجر. بينما الشاي يدفي يديّ سمعت في داخلي هدوءا جديدا، صبر لا يذوب عند أول امتحان. حين وصلت البيت بعد الظهر، رأيت في عينَي والدتي تسليما، وفي يد أبي أثر إصلاح قديم على الأصابع. الصبر الذي علمني الطريق كان هدية، ليس لأنها خلّصتني من المشكلة، بل لأنها جعلتني أرى الهداية في كوب شاي وبسمة غريب.
أمضيت أربعين سنة مع المرضى، كل مداخلة وكل انتظار علّمتني أن الشفاء يبدأ بما لا يظهر على الشاشات. لكن عندما جاء دوري وأبلغوني بأن جسدي يحتاج إلى تدخلٍ عاجل، تحوّل كل ما علّمته إلى أشياء صغيرة: كيف أمسك يد المريض؟ ماذا أقول حتى لو لم يكن هناك كلام؟ جلست في قاعة الانتظار قبل العملية، الستائر نصف مفتوحة، ورائحة المطهر تملأ الهواء، والقفاز القديم لا يزال يذكّرني بصوت خطوات الممرضات. كانت زوجتي تقف خلفي تهمس بدعاء بطيفٍ من كلماتها التي أعرفها منذ أن تزوجنا في حي الحلمية: «اللهم ارزقنا الصبر والشفاء». لم يحمل كلامها وعدًا طبيًا، لكنه كان رزقًا، دفء لمعة في كوب شاي ساخن، قطعة خبزٍ من جارٍ جاء لزيارة، صمتٍ صارمٍ فيه إيمان. قبل أن يدخلوني، تذكّرت آيةً رددتها مع المرضى كثيرًا: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». لم تكن مجرد كلمات، بل وعدٌ صار جسدًا في تلك اليدين اللتين أمسكني. خرجتُ من غرفة العمليات وفي فمي طعم الشاي وشفاه زوجتي على جبيني؛ لم تُبدِّل الدواء وحده شيئًا، بل رقة المحبة ورزق الله، ولمعنى الصبر الذي صار شفاءً بطيئًا وثابتًا.
في السنة التي مرضت فيها أمي، تعلمتُ أن الصبر ليس صمتاً، بل هو أن تظل واقفاً بينما الأرض تهتز تحتك. كنت أجلس بجانب سريرها وأقرأ سورة يوسف، وأبكي حين تنام. لم أكن أعرف أن هذا صبر، حتى قال لي أبي: "ما تفعلينه الآن، يحبه الله." بعد سنة، لما رحلت، كنت أعرف أنني أعطيتها كل ما عندي.
أنا ابنة داكار، وكل صباح عندنا في البيت رائحة الشاي الحلو، ويد جدتي البالغة من العمر سبعين رطبة من الحلاوة والطبخ. عندما مرضت بدأ العالم يتقلص، لم تعد مقابلات العمل مهمة، لم تعد رسائل البريد في الصباح تحمل ثقلها. ذاك الصباح في المستشفى، رائحة المعقم، صوت مروحة تطن بلا توقّف، وجدتي في سريرها الورقي، نحيلة لكن عينها لا تفارق سقف الغرفة. لم أتوقع أن يكون تحول قلبي صغيرا، ناعمًا مثل أوراق الشاي. حملت يدها، وقالت بصوت خافت اللهم اشفها. تذكرت آية كنت أرددها بلا تفكير في الليالي الطويلة، إن مع العسر يسرا. صليت خلفها صلاة قصيرة، ولم أعد أحصي المهام التي تنتظرني في العمل. فجأة ظهر لي طريق جديد للحضور، هداية صغيرة، أن أكون هنا الآن. عند خروجنا من المستشفى، وضعت يدي على كتفها، وشعرت بأن الدعاء الذي همست به بقي أثرا في صدري، أثر يذكرني بالنعمة في وسط المرض، وبأن العمل قد يعود ولكن لحظات الحضور لا تعود.
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سودت بأصابعها. همست آية، إن مع العسر يسرا، وكل حرف بدا له وزن على صدري المكتوم. لم أكن أبحث عن إجابات، فقط عن دفء يثبت أنني لا زلت أتنفس بعد كل ما انتهى. قمت لأغتسل، الماء البارد على يديين، ثم على وجهي، صوت الماء كصلاة قصيرة. ركعت ثم سجدت، ولم يكن السجود حلما، بل لحظة بسيطة حيث شعرت أن ذاك الخيط القديم من الأمان يعود لي، شيء كفّ على قلبي. في الصباح، عندما وصلتها رسالة من صديقتي عائشة تقول فقط، "أنا هنا"، لم تنتهِ الجراح، لكنني فهمت أن الشفاء أحيانًا يبدأ بصوت قرآن، بكوب شاي، وبوجود قريب يحبك بلا شروط.
أتذكر ذلك الليل في مستشفى في عمان، كان رمضان، والساعات ثقيلة كالماء. في جناح الأطفال الخافق، رائحة الكلور تداخلت مع عبق الهيل في thermos إحدى الزميلات. أم صغيرة تضمد صدر مولودها المتعب، حنجرته لا تصدر سوى أنفاس رقيقة، وراقبنا جهاز التنفس كما لو كان قرص مفاتيح لمستقبلٍ صغير. قضيت ساعات أطهرها بين قياسات وطمأنات وهمسات قرآنية أسمعها من هاتف في زاوية. تكررت دعوات بسيطة على شفتي، ليس تأمرا بالطبع، بل لأن الصبر يصبح صلاة عندما يصير فعل يومي. قلت لنفسي فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واقتربت لأمسح عرق أُمٍ بردُّها. عند فجر اليوم الرابع، بينما كانت المدينة تصحو وإذان الفجر يقترب، فتح المولود عينيه وارتشف أول لبنة حليب. شعرت برعشة لطيفة في يدي، والدموع لم تكن حزن بل سلام. لم تختفِ الأسئلة، لكن صبر القلب تبدل إلى يقين هادئ أن الشفاء بيد الله، وأن الصبر هنا كان سيرة صغيرة تترك أثرها في صدر أم وجناح مستشفى.
كنتُ جالسة على شرفة شقتنا الصغيرة في الدوحة، رائحة قهوة الهيل تعبق من داخل المطبخ، والبحر يهمس بعيداً. في جيبي رسالة لم تُفتح بعد، قرار مانح لبحثي يعتمد عليه دخل الأسرة القادمة أو لا. عملي كباحثة اجتماعية علمني أن أعد الأرقام، لكن في تلك اللحظة كانت الأرقام لا تواسي قلبي. سالم كان في الداخل يرتب أوراق الأطفال، صوته خافت كما لو أنه لا يريد أن يزعج خوفي. دخلتُ للوضوء، الماء بارد على وجهي، حبات العرق على صدري تهدأ. ركعتان قصرتان، لم أبحث عن إجابة، بحثت عن سلام. تلاوتي كانت متقطعة، ثم تذكرتُ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. قلتها بصوتٍ لا يسمعه إلا قلبي. لم يتغير شيء خارجيًا في تلك اللحظة، لم يصل الخبر بعد، لكنني خرجت من الصلاة بأقدام أخف. أخبرتهُ عن خوفي، لم يقدم حلولاً عظيمة، اكتفى بأن يمسك يدي ويقول حسبنا الله. لم أعد أتحكم بالمآلات، لكني تذكرتُ أن طمأنينة البيت تبدأ بصلاة خاشعة وقلب يثق. هذا التوكل لم يسرق مني التخطيط، لكنه جعلني أعمل والنتيجة بيد عزوٍ أكبر منّي.
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل. قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للوقوف وحيداً ثمّ ليس وحيداً. غسلت يديين في الحوض القديم، ثم صليت ركعتين، لم أخطب، فقط دعوتُ: يا رب ارحمه، وذكرْتُ آيةٍ جاءتني في سكون الصلاة، إن مع العسر يسرا. لم تكن المعجزة انفجاراً، بل صوت أمّي عبر الهاتف تقول بصوت مختنق: لم أتخذ وقتاً كافياً، أنا آسفة. التئم شيء ببطء. لم تختفِ الخسارة، لكن شعرت أن أثراً قد وُضع، أثرٌ صغير من صبر ودعاء ومسامحة. خرجت من البيت والشارع لامع، وأخذت معي رائحة الشاي على معصمي، وتذكرت أن الشفاء لا يعلن نفسه، بل يترك أثراً.
الحرّ في ممباسا يلازمني حتى في الصباح الباكر، رائحة الكمون والبحر تملأ الشارع بينما أحمل دفتر فواتيري في حقيبة مكتبي القديمة. منذ أسابيع وأنا أعدّ أرقامًا لنهاية الشهر، والمدير يقول بصوتٍ متردد إن التعاقد قد لا يتجدد. قلبي كان كقطعة قماش مبللة، ثقيلة، ولكني استيقظت في وقت الفجر وصليت وأدرت يدي بالدعاء بصمت. قلت هُنا، يا رب، قد فعلت ما عليّ. توكلت عليك. في الطريق، توقف لنا توكتوك، وبرائحة الشواء من جانب الطريق انتفلت كلمات أمي في رأسي وهي تطبخ الشاي وتضحك للهموم كما لو كانت يمكنها طيّها. دخلت المكتب، الورق يملأ الطاولة، الأجهزة صاخبة، وقلت لنفسي، حسبي الله ونعم الوكيل. لم تكن معجزة، لكن بعد محادثة هادئة مع المدير قدمت خطة صغيرة لإدارة العمل، وافق. في المساء، جلست مع والدي ووالدتي على البلاط، شربنا شاي بالهيل، والهواء المشبع بالملح والزيتون جعل قلبي أخف. التسليم لم يكن استسلامًا، كان قرارًا، أن أعمل بجد وأثق بالنتيجة. هذا النوع من التوكّل يترك أثرًا في الداخل، مثل أثر قدم على رمال الميناء، يختفي تدريجيًا لكنه يخبرك أنك كنت هناك.
في رمضان قبل سنتين كنت في سوق المباركية أراجع دفاتر العملاء بينما كان زبائني يضغطون، الجو كان ثقيلًا مثل الهواء بعد صلاة الظهر. صليت الظهر في زاوية المحل ثم عاد الألم، إسهال وحرارة أخذتني بسرعة. حاولت أن أصبر وأكمل البيع، قلت لنفسي أن التجارة لا تنتظر. بعد ساعتين لم أستطع الوقوف، زوجتي أوصلتني إلى مستوصف قريب، ورائحة المطهرات وقصاصات الضوء من المصباح الطبي كانت تغيب عني عالم السوق كله. الممرض جلس بجانبي وهو يكتب، قلت له عن المخاوف المالية، عن الموظف الذي لا يثق به، عن رمضان والعمل. ابتسم وقال فقط، اقتنعت بصوت هادئ، "دعهم، رتب أمورك ثم تعافى." هذا الكلام البسيط كان نقطة تحوّل. حين وضعت رأسي على الوسادة في الغرفة، استمعت إلى آذان المغرب من هاتف صغير، قلت حسبي الله ونمت. لم يكن الشفاء سريعًا، لكنه علمني أن أُفَوّض الأمر بعد أن أبذل الوسع، أن أُعطي ثقة أكثر في من حولي، وأن رمضان، حتى في الضعف، صار دعوة لي إلى توكل أهدأ. المرض ترك أثر ليس ضعفا، بل مساحة لي لأعيد ترتيب ما كنت أظن أنه ضرورتي المطلق.
ذات ليلة جلست بجانب سرير أمي في مستشفى قريب من البحر في داكار. الهواء يحمل رائحة مطهرات وموزاييك من أصوات المولد والبكاء البعيد. كانت يداها باردة تحت بطانية مطوية، وكنت أعد أزرار قميصها كما لو أن هذا سيعيد ترتيب الأيام. جدتي جاءت وهي تمسك كوب شاي بالنعناع، جلست بلا ضجيج وبدأت تدعو بصوت منخفض، كلمات اعتدتها منذ الطفولة، ثم همست: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. فعلتُ ما أعرفه، صليت الفجر في زاوية الغرفة، رأسي على الجهة كما لو أن الصلاة تربطني بشيء صلب. ليست مفاجأة، ولكن في تلك اللحظة شعرت أن الصبر ليس تسليمًا فقط، بل فعل صغير مستمر، حيّ في قبضتنا على يد أمي وفي شرب الشاي البارد الذي أحضته جدتي لي. عندما فتحت أمي عيناها، قبضت إصبعي، كان ذلك طوق رجاء بسيط. لم تختفِ المخاوف، لكنها تلاشت قليلا، مثل ضوء الفجر الذي يظهر على نوافذ المستشفى، يترك أثرا. هذا الأثر، صبرٌ يورثه الأهل، بقي معي.
أنا من كابول، لكن حين مرضت لم أكن في بيتي. كنت في غرفة مؤجرة في مدينة أخرى، النافذة صغيرة وتدخلها شمس باردة في الصباح. الألم كان يترك طعم الحديد في فمي، والدواء أغلى من المبلغ الذي جمعته. فقدت أمّي قبل سنوات، وكانت يداها تصنع لي الشاي بالهيل لو شعرت بالحمى. في ذلك الصباح تذكرت صوتها أكثر من أي شيء. جارتنا، امرأة مسنّة تعرفت إليها منذ شهر، طرقت الباب ومعها كوب شاي وقطعة خبز. لم تكن قوة المال، كانت حنوّها. وضعت الكوب على طاولة بلاستيكية، جلست بجانبي ولم تقل كثيراً. سمعت الأذان من بعيد، قلت بصوت ضعيف: "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، فابتسمت وكأنها تقول لي: اصبري. بعد ساعة جاء زوجي برسالة، في داخلها مبلغ صغير يغطي الأدوية. لم يكن كثيراً، لكن كانت لحظة تحوّل. المرض علّمني أن الرزق يأتي بطرق لا نعدّها. أحياناً هو دواء، وأحياناً هو يد تمتد، وأحياناً همسة أذان تخفف الضيق. جلست أحتسي الشاي، وطعم الهيل جعلني أتذكر بيت أمي، وفهمت أن الصبر ليس انتظاراً فارغاً، بل وجه يرى أثر الله في أشياء دقيقة.
في ليلة ربيعية من رمضان، اشتد عليّ السعال حتى شعرت أن صدري قد انتهى. كنت في بيتنا في نابلس، حيث رائحة الزيتون تدخل من الشباك وتختلط برائحة الحساء الذي أعدته أمي. لم أستطع القيام من الفراش لأفطر، شعرت بالذنب قبل الجوع. أرسلوا لي دواء، وحاملة الدواء كانت أم جابر من الحي، حرّكت منديلها برفق وهي تقول، توب، رجعت لربنا، لا تكابر. الآذان للعشاء جاء من المسجد القريب، لكنه بدا بعيدا عني كحلم. في الحجرة الصغيرة كانت المصحف بجانبي، فتحت عشوائيا عند آية قرأتها مرار، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ، وبكيت بلا صوت. لم يكن الندم شعورًا مفرطًا، بل رجوع هادئ، توبة لم أتوقعها. التحول لم يحدث بقرار كبير، بل بلمسة يد أم جابر على جبيني وبهمسة دعاء قلتها بصوتٍ مكسور: اللهم اشفِ. بعد أيام، لم يكن شفائي بالتمام فحسب، بل اختفى عني حرج الصوم الذي فات، وصارت العبادة الصغيرة، الجلوس، الاستكانة، الدعاء، كأنها بناء البيت قبل أن ترفع الحجر.
1 د·about 1 month ago
90
هل لديك قصة تنتمي إلى هذه المجموعة؟ شاركها مع من يبحث عن أثرٍ يشبه أثرك.