لم أنشأ بين المسلمين. معظم ما كنت أعرفه عن الإسلام جاء من الأخبار، والأفلام، أو التعليقات العشوائية التي كان الناس يطلقونها. لم أكره الإسلام أبداً، لكنني لم أعتقد أنه له علاقة بي. بدا لي أنه شيء يخص الآخرين.
قبل بضع سنوات، كنت أعمل مع رجل مسلم يُدعى سمير. كان هادئاً، وسهل التعامل معه، ولم يحاول أبداً إقناع أي شخص بشيء. كل يوم بعد الظهر، كان يختفي لمدة عشر د…
كنت شابة أعمل في دكان البن في حارةٍ من حارات هَرَر، كنا نطحن الحبوب على نار صغيرة، ورائحتها تعلّق في ثيابي كأنها جزء مني. أحياناً، عندما كان البيُوت عُريّة من الطعام وطفلي يبكي، أضعُ قبضةً صغيرة من البن في جيبي، أعود بها للمنزل لأغليها للأطفال. لم أفكر أني آخذ شيئاً عظيماً، فقط ذرة تُسكت الجوع وتدفئ الفم.
مرت السنين وأصبحت جدة لتسعة أحفاد. الدكان أغلق قبل سن…
اتصلوا بي في الثانية صباحا، والدكا تمطر بحماسة، والمطر يطرطق على سقف الأوتو. كانت نتيجة الامتحان مطبوعة على مكتبي، كلمة راسب بخط أسود، وفي جيبي بطاقة المستشفى. دخلت قسم العناية المركزة، ورائحة المطهر والأكسجين تملأ المكان، وضوء الفلوريسنت يرن كساعة لا تتوقف. كانت أمي صغيرة بين الأغطية، يدها ضئيلة كحبة مانجو. شعرت بتقصير، بالرسائل التي لم أقرأها، بالصلوات الت…
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي.
صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات…
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي.
في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي…
في غرفة الطبع التقليدية بجوار دار القرآن، حيث رائحة الشاي بالنعناع تلتصق بالحوائط، كنت أرتب مصاحف قديمة وأحاول أن أضم صوتي إلى أصوات الصغار. من فاس، أحفظ القرآن وأعلّمه، لكن بعد موت أبي شعرت أن دفتري اليومي قد فقد الصفحات. كنت أتيه في الصلاة ومواعيد الدروس، أقول اللهم اهدني بصوت خافت لا يطمئنني.
ذات ليلة، كان العصفور الخارجي يقرع نافذة الحجرة، وفتى صغير يقر…
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تف…
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئ…
لم أصدق أن آخر كلامي معه كان كلامي المتعجرف. كان رمضان، الشوارع في حي كاراكوي قد بدأت تضيء بخيوط الأضواء، ورائحة السميت تأخذني إلى نوافذ المحلات. قبل أيام من الصيام كنت قد شتمني لأنني لم أجب على مكالمته في وقتها. قلت أشياء بسرعة، ثم أغلقت الهاتف. بعد يومين جاء الخبر، لم يعد. لم أنم تلك الليلة، جلست بجانب النافذة أتابع ضوء المنارة ينعكس على مياه البوسفور. ثم…
في إحدى الليالي المطيرة في قسم الطوارئ، بقيت رائحة الكلور تلاحقني بين الحجرات، والصوت الوحيد كان صفير المصل في القوارير. امرأة تدخل في وجهي بغضب بعد أن فشلت محاولاتنا مع والدها، قلت لها كلمات قاسية، عرفتها حين خرجت، لكن الغضب كان قد سبقني. جلست في سيارتي تحت نور الشارع الخافت، المطر يقرع سقف السيارة بجملة طقس، والراديو يقرأ بصوت رخيم: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الّ…
رمضان الماضي، كنت أخرج من صلاة التراويح في مسجد الحي، والليل رطب برائحة المسك وقهوة السحور. قبل عام كان أبي لا يزال في البيت، يترك أثره في كل زاوية، طقم سبحته على طاولة القهوة، رائحة العود على ثوب الفجر، وصوت دعائه الخافت قبل الفجر. كنت أعمل في التعليم، وأعطي الصفوف كل وقتي. أتذكر صباحا واحدا، ضغطت يده الرفيعة على كتفي وقال بهدوء، تعال نصلي الفجر معاً. أجلته…
في روتردام، بعد يوم طويل من المقابلات المهتزة وزيارات الوكالات، عدت إلى شقتنا الصغيرة الواقعة قرب محطّة بلاك. كانت الأرضية باردة تحت قدميّ، ورائحة القهوة القديمة ما زالت في المطبخ، وشال نور مطروح على ظهر الكرسي. كنت على حافة قرار، لم أكن واثقًا من دعوة التقدم للزواج أو من قدر الله في الرزق.
جلست لأداء صلاة الفجر متأخرا، وفي السجدة الأولى شعرت ببرود البلاط ت…
في أحد ليالي بيروت الممطرة، كنت أجلس في مكتب الأخبار وحدي؛ ضوء الفلوريسنت يزمجر، وطابعة تخرُّ من وقت لآخر، ومذاق قهوة قديمة على مكتبي. العمل استهلك سنواتي: تغطية، مواعيد نهائية، تنازلات صغيرة جعلتني أتجاهل الصلوات حتى اعتادت ذاكرتي غيابها. هاتف أمي رنّ فجأة، صوتها هادئ كما لو أن المطر لم يغسل كلّ شيء، قالت: "صلي يا رانية، قلّي ما بدّي إلا سلامة قلبك". لم يكن…
كنت أعمل في ورشة صغيرة خلف مكتبة قديمة في باشتشارشي، حيث تزدحم الشوارع بالتراب ورائحة القهوة المغلية في فجر بارد. طالما اعتبرت عملي تصليح الكتب عملاً عادياً، حتى ذلك المساء الذي كدت أن أترك فيه كل شيء لصالح وظيفة مكتبية ثابتة، مقابل أمان مادي كنت أفتقده بعد سنوات الحرب.
كان الجو مليئاً بالغراء والغبار، وطرقت أصابع الكتاب المثقوب في يدي، وجدت قبلية مدفوعة بي…
كثير من أيامي في إسطنبول تبدأ بصخب الشوارع ورائحة السمك المشوي، ثم مكتب مضاء بأضواء فلوريسنت ومهام تتكاثر. كنت أعمل ساعات طويلة حتى غابت عني صلاة الصبح أحيانًا، وعادت أثقال على صدري لا أعرف سببها. في صباح خريفي واحد، ركبت العبّارة إلى كاراكوي لأنني أردت مجرد أن أخرج من نفس الدائرة. جلست قرب النافذة، البخار على الزجاج، صوت محرك العبّارة، ورائحة الشاي على المق…
كانت رائحة المطهر تختلط برطوبة ليل كوناكري، وأنا أنهِ نوبة في المستشفى، متعبة إلى حدٍّ يجعلني أعدُّ خطواتي إلى شقتنا كنعمة. فتحت الباب، ورأيت أمي فاتو جالسة على الكرسي، راديو صغير يهمس بالقرآن، صوت السورة يملأ الغرفة كغبار نور. كانت تتنفس بصعوبة، صدرها يشتغل، واحترت: هل أستدعي سيارة إسعاف أم أؤمن لها nebulizer الذي أحمله في حقيبتي من العمل؟
لم أحدث قرار، شعر…
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني صوت الراديو والذكر، ولون فجر الجزائر من مرآة الزجاج. في ليلة ممطرة عند موقف استراحة خارج بجاية، توقفت لشرب شاي، رائحة المازوت تتسلل عبر النافذة، والمقاعد الجلدية بارده من المطر. قدم إلي شاب مهترئ، قال لي بصوت مرتعش إنه حديث عهد بالإسلام، ترك كل شيء وجاء يبحث عن صلاة ومكان يثبت فيه.
وضعت له بطانية من سيارة النوم وصنعت…
كنت مهندسًا في موقع بناء في القاهرة، أعمل حتى آخر زفرة من النهار لأننا بحاجة لتسليم مخطط. في ليلة ممطرة، رائحة الأسمنت المبلل والديزل امتزجت بصوت مولد بعيد. ارتكبت خطأ في حساب لعمود، خطأ بدا صغيرًا حتى بدأ الجدار يتشقق في الصباح. ضربتني الدهشة أولًا، ثم شعور بالذنب كما لو أن ثِقَلًا يجلس على صدري.
تذكرت قول أبي، الذي كان دائمًا يكرر لي أن الرزق لا تأتي به ال…
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سود…
في ليلة اشتد فيها البرد فوق سراييفو، خرجت من البيت بعد مشاجرة مع ليلى حول المال والخوف من الرزق. الشوارع كانت مغبرة بالثلج، ورائحة القهوة من كشك قديم تلوح بين المباني، وصوت صفارات الترام يتكرر كنبض المدينة. جلست على كرسي حجري قرب نهر ميلجاكا، وسمعت الأذان من مآذنة بعيدة، شعرت بتيار يمر في صدري، تذكرت آية سمعتها في مسجد في طفولتي، قل يا عبادي الذين أسرفوا على…
ثلاثون عاماً من البحث لم تكن كلها مسيرة طويلة وواضحة. كانت تتخللها لحظات صغيرة، كتاب قرأته في مقهى، ليل طويل مع طفل مريض، أغنية سمعتها صدفة في الراديو، لكنها لم تكن هداية، بل أشياء تشبه طرق فرعية.
كنت في الممر الخلفي للمستشفى بعد دفن أمي، ألبس سترةٍ لم تعد دافئة من رائحة الصابون والحرارة. رجعنا إلى شقتي الصغيرة قبل منتصف الليل، والأطفال نائمون بوجوههم على و…
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل.
قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للو…
الضوء الفلوري فوق السرير يهتز بصوت منخفض، والهواء لزج من نافذة مطبخة في الطابق الثالث. كنت أصارع حمى لم أتعلم كيف أميتها، جسدي يذكرني بكل صلاة فاتت وأنا أعقد اللسان أعذارًا عند باب المسجد. وصلوني إلى كونوت عندما لم أعد أقوى على المشي، وبقيت أمضي الليالي أستمع إلى مذيع الراديو يتلو آيات عن رحمة الله، والعبارة التي بقيت في رأسي، يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسه…
كنت أقف في ردهة مستشفى ماسستاد في روتردام، المعطف لا يزال مبللاً من المطر، ورائحة المعقم تطغى على رائحة القهوة من آلة قريبة. فقدت أمي قبل سنة، ووالدي دخل المستشفى بعد تشخيص المرض. كل شيء بدا رسميا وصارماً، أوراق، أطباء، أرقام غرف. في الداخل كان قلقي أكبر من أي سطر في تلك الأوراق.
جلست على كرسي بلاستيكي، الهاتف بين يدي يكرر تلاوة خافتة. لم أصَلِّ بانتظام منذ…
أسلمت عام 2019 في مانشستر. في أحد أمسيات الشتاء، كنت جالسًا بمفردي في الشقة الصغيرة، نافذة المطبخ بها قطرات مطر، وكأس شاي يُصدر بخارًا برائحة النعناع. كنت أُحاول أن أرتب أفكاري، شعور بالجمود يضغط في صدري، جمال الطريق الجديد و وحشته معًا.
وضعت القرآن على الطاولة، تشغيلت تلاوة بصوت خافت. لم أكن أبحث عن معجزة، فقط عن كلمة تبعثر الضباب. ثم سمعت آية وجدتني، العبا…
الوردي في ضوء الممر كان باهتاً، والطرابيزات المعدنية تنبض بصدى خطواتي. بعد مناوبة طويلة في مستشفى الأردن، بقيت رائحة المطهر في أظافري، وصوت أجهزة المراقبة يطبع الليل. حين أدرت ظهر الغرفة، سمعت رجلاً يهمس آية من القرآن، فقلتها معه بصوت خافت، فكانت فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا على شفاهه، وعلى لساني أيضاً.
المريضة التي ربتت على قلبي لم تشف جسدياً. لكن في تلك…
بعد خمسين عاماً من التدريس في بورصا، أدركت أن معظم دروسي الحقيقية كانت خارج الفصل. يومٍ آخر في خزائن المدرسة، بينما كانت رائحة الطباشير مع قهوة الصباح تملأ الغرفة، وجدت ورقة صغيرة مطوية داخل دفتر قديم. خط طفلٍ متعرج كتب فيها: «اللهم اهدنا». توقفتُ. تسمعتُ أذان الظهر عبر النوافذ المفتوحة، وصوتَه كأنه يُرجعني إلى أيامٍ كنت أقف فيها أمام اللوح بقلبٍ صادق.
تذكر…
قبل رمضان الماضي كان البيت على شارع Mangga لا يهدأ عند السحور، طقم الملاعق يقرع كأس الطبخ، رائحة tempe goreng تتصاعد مع بخار الأرز. كنت مستيقظة منذ منتصف الليل، أراقب أمِّي تغالب الألم بعد العملية، وزوجي عريف يجلس على طرف السرير بيدٍ متشابكة، عيوننا كلها تعب. المرض صنع فجوة صغيرة بيننا، ليست غريبة فقط لأنها جسدية، بل لأنها حملت صمتًا وخوفًا لم نعهدهما.
في أ…
كنت أعود إلى شقتي في بيروت بعد سهرة عمل طويلة، رأسٌ ثقيـل، وقلـم بلا حبر. رمضان كان يدق الباب بشكله المعتاد هذا العام، لكنه بدا لي أكثر صمتاً. ليلة، بعد التراويح، جلست على شرفتي الصغيرة بصحبة فنجان قهوة بارد ونسخة قديمة من القرآن مهشمة الأطراف. الضوء الأصفر من الشارع رسم خطوطاً على صفحات المصحف، والبحر كان يهمس من بعيد. قرأت الفاتحة بلا ترتيب، ثم همست، اهْدِ…
في رمضان الفائت، قبل أن يشرق الفجر، جلست على شرفة شقتي في بيروت. الشارع كان لا يزال ناعسًا، ورائحة القهوة بالهيل تتسلل من شباك الجيران. كانت هناك سترة صغيرة طويت على الكرسي، بقيت معها طويلاً بعد انفصالنا. لم أستطع رميها، ولا فتحها، كانت مثل رسالة لم تُقرأ.
أحضرت سجادتي القديمة، تلك التي كانت معي في تغطيات الحروب والاحتفالات، وضعتها على الأرض. خشونتها تحت ركب…
لم أنشأ بين المسلمين. معظم ما كنت أعرفه عن الإسلام جاء من الأخبار، والأفلام، أو التعليقات العشوائية التي كان الناس يطلقونها. لم أكره الإسلام أبداً، لكنني لم أعتقد أنه له علاقة بي. بدا لي أنه شيء يخص الآخرين. قبل بضع سنوات، كنت أعمل مع رجل مسلم يُدعى سمير. كان هادئاً، وسهل التعامل معه، ولم يحاول أبداً إقناع أي شخص بشيء. كل يوم بعد الظهر، كان يختفي لمدة عشر دقائق. في يوم من الأيام، سألتُه أخيراً أين يذهب. ابتسم وقال: "أنا فقط ذاهب للصلاة." قالها بشكل طبيعي جداً مما أدهشني. لم يكن عرضاً. كان ببساطة جزءاً من يومه. في ذلك الوقت، كانت حياتي تبدو جيدة من الخارج. كان لدي وظيفة جيدة، وأصدقاء، ومال يكفي للاستمتاع بالحياة. لكن كل مساء يوم أحد، كنت أشعر بنفس الفراغ. كان يأتي يوم الإثنين، ثم يوم الجمعة، ثم عطلة نهاية أسبوع أخرى، وكان يبدو أنني أعيش نفس الأسبوع مراراً وتكراراً. كنت أتساءل، هل هذا حقاً كل ما في الأمر؟ بدافع الفضول، بدأت أقرأ عن الإسلام. في البداية شعرت بالخجل، لذا بحثت حتى في وضع خاص لأنني لم أرغب في أن تملأ مقاطع الفيديو الإسلامية توصياتي. شاهدت مقابلات مع معتنقي الإسلام، وقرأت عن النبي محمد ﷺ، وفي النهاية اشتريت ترجمة إنجليزية للقرآن. كنت أتوقع أن أجد أشياء لا معنى لها. بدلاً من ذلك، وجدت نفسي أسأل لماذا لم يشرح أحد الإسلام بهذه الطريقة من قبل. كلما تعلمت أكثر، شعرت بعدم الارتياح أكثر. ليس لأن الإسلام بدا غريباً، ولكن لأنه بدأ يصبح منطقياً. لم أكن خائفاً من أن يكون الإسلام زائفاً. كنت خائفاً من أن يكون صحيحاً، لأن ذلك يعني أن حياتي ستحتاج إلى تغيير. في يوم جمعة، دعاني سمير إلى المسجد. كدت ألغي ثلاث مرات. عندما وصلت، جلست في سيارتي لمدة عشرين دقيقة تقريباً أ pretending to check my phone. في النهاية، أخذت نفساً عميقاً ودخلت. لم يحدق بي أحد. لم يسألني أحد لماذا كنت هناك. ابتسم رجل مسن، صافحني، وقال: "أهلاً بك، أخي." لم أكن مسلماً بعد، لكن لسبب ما، بقيت هاتان الكلمتان معي طوال اليوم. بعد بضعة أسابيع، قلت الشهادة. كانت صوتي يرتجف. لا زالت لدي أسئلة. لا زالت لدي أشياء لأتعلمها. لكن في أعماقي، كنت أعلم أنني توقفت عن البحث. يسألني الناس أحياناً لماذا أصبحت مسلماً. لا أملك لحظة درامية واحدة أشير إليها. كانت مئة لحظة صغيرة وضعها الله في حياتي. زميل يغادر بهدوء للصلاة. أسئلة لا تترك ذهني. باب مسجد كنت متوتراً جداً للدخول من خلاله. لم أكن أبحث عن الإسلام. كنت فقط متعباً من الشعور بالفراغ. لكن الله كان يعرف ما كنت أبحث عنه حقاً قبل أن أعرفه.
كنت شابة أعمل في دكان البن في حارةٍ من حارات هَرَر، كنا نطحن الحبوب على نار صغيرة، ورائحتها تعلّق في ثيابي كأنها جزء مني. أحياناً، عندما كان البيُوت عُريّة من الطعام وطفلي يبكي، أضعُ قبضةً صغيرة من البن في جيبي، أعود بها للمنزل لأغليها للأطفال. لم أفكر أني آخذ شيئاً عظيماً، فقط ذرة تُسكت الجوع وتدفئ الفم. مرت السنين وأصبحت جدة لتسعة أحفاد. الدكان أغلق قبل سنوات، ورائحة البن بقيت ترن في الذاكرة. في ليلةٍ صحوت فيها من صلاة الفجر، وجدت نفسي أكرر دعاء الاستغفار، وسمعت في قلبي آيةٍ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا...» فشعرت بثقلٍ قديم. ذهبت إلى الرجل الذي كان يملك الدكان، وجدته جالساً قريباً من الدُّور القديم. اعترفت بكل شيء، ووضعتُ ما أدخرته على الطاولة. ظلّ يبتسم، أمسك يدي وقال لا بأس، لكن قلبي ارتاح أكثر عند فعلتي، عندما حركت اقدام الظلم إلى طريقٍ آخر. منذ ذلك اليوم، كلما غَلَت رائحة البن في البيت، أدعو بصوتٍ منخفضٍ: يا رب اغفر لي، واجعل عملي طاهراً. التوبة عندي صارت عمل يومي، وليست لحظة واحدة فقط.
اتصلوا بي في الثانية صباحا، والدكا تمطر بحماسة، والمطر يطرطق على سقف الأوتو. كانت نتيجة الامتحان مطبوعة على مكتبي، كلمة راسب بخط أسود، وفي جيبي بطاقة المستشفى. دخلت قسم العناية المركزة، ورائحة المطهر والأكسجين تملأ المكان، وضوء الفلوريسنت يرن كساعة لا تتوقف. كانت أمي صغيرة بين الأغطية، يدها ضئيلة كحبة مانجو. شعرت بتقصير، بالرسائل التي لم أقرأها، بالصلوات التي أجلتها حتى «بعد الامتحان». بعد الجنازة، في غرفتي الضيقة في السكن، أمطرت الشارع وصوت المعطر في المطبخ وصل من الطابق السفلي. جلست على سجاد صلاتي وفتحت كفي، قلت بضع كلمات بسيطة، «اللهم تقبل توبتي». تذكرت: إن الله يحب التوابين. لم تكن دموعي عرضية، كانت ترتيبا داخليا. حولت الندم إلى أعمال صغيرة، دعاء بعد الفجر، زيارة القبر بعد الظهر، وعد بالرد على كل مكالمة لا أجلها. النتيجة لم تختف، لكن شيء ما استقر. التوبة لم تغير الماضي، لكنها غيرت كيف أواجه الغد، وكيف أترك أثرا صغيرا لا يزول.
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي. صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات النوارس. قلت بصوت خفيف، "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، وقلت بعدها دعاء لا أصل له سوى تنهيدة، "يا رب، ما لي إلا أنت". لم يحدث شيء خارق. لم تصل وظيفة من السماء، ولم تفتح أبواب في تلك اللحظة. لكن شيء صغر في صدري، كأن ثقلًا قد توقف عن الضغط. قبل أن أغادر، مدّ لي رجل عجوز كوب شاي، قال بعينين لا تحكمان، "توكل، يا بني، كله بيد الله". لم تكن نصيحة جديدة، لكنها كانت هداية جاءت في لحظة جاهزة للاستقبال. عدت عبر الجسر بخطوات أخف، ومعي يقين هادئ أن الطريق قد لا يكون مفروشًا، لكنه ليس وحيدًا.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي. في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي، أشياء صغيرة لكنها حقيقية. عندما هدأت الأنظمة قليلاً همست آية: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». لم تكن كلمات طبية؛ كانت بذرة ثقة. الجراحون فعلوا ما عليهم. لكن تحوّلي بدا في لحظة قصيرة بعد الظهر: وضعت سجادًا للصلاة بجانبي لتهدئة نفسي، أقمت صلاتي كأنها وعد، لا بدّ أن أُسلّم أمري. لم يحدث شيء درامي، لا معجزة مفاجئة، فقط هدوءٍ دخل جسدي وقلبي معًا. الطبيب الذي اعتاد أن يعالج الآخرين عرف أخيرًا أن الشفاء قد يكون قبلة هادئة على جبين الخوف، وأن التوكل أحيانًا هو الدواء الذي يكمل العلاج.
في غرفة الطبع التقليدية بجوار دار القرآن، حيث رائحة الشاي بالنعناع تلتصق بالحوائط، كنت أرتب مصاحف قديمة وأحاول أن أضم صوتي إلى أصوات الصغار. من فاس، أحفظ القرآن وأعلّمه، لكن بعد موت أبي شعرت أن دفتري اليومي قد فقد الصفحات. كنت أتيه في الصلاة ومواعيد الدروس، أقول اللهم اهدني بصوت خافت لا يطمئنني. ذات ليلة، كان العصفور الخارجي يقرع نافذة الحجرة، وفتى صغير يقرأ سورة الضحى ويعثر عند الآية، يقول بصوت صغير فَإِنَّ... ثم يصحح نفسه ويكمل، وكأن الكلمة تنطلق من حلقه لتستقر في قلبي. لم تكن هبة كبرى، كانت إشارة. خرجت بعد الدرس وجلست على السطح، برد الحجر يلسع قدميّ، وكررت الآية في سجودي حتى شعرت بنفَسٍ خفيف يربت على أكتافي. هداية بهذا الحجم لا تأتي كصاعقة، جاءت كقابض يد، كصبر يومي. عدت لتدريس الأطفال بأصواتي المكسورة، ومع كل تكرار، كل تصحيح، تركت أثراً صغيراً في قلبي، أثر جعل الحزن أقل ثقلاً وأعطى لأيامي اتجاهاً جديداً.
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تفنّن، كأنني أذكرها لها ولنفسي. بللت شفتَيها بمنديل مبلّل، ثم مسحت يدي بالرائحة المألوفة للزيت الأسود الذي تستعمله لتدليك رأسها منذ طفولتي. عندما وضعتُ الملعقة على شفتيها، أمسكت بيدِي فجأة وبسطت أصابعها حول إصبعي ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة منذ أيام. لم يَشفَ كل شيء بين ليلة وضحاها، لكن تلك القبضة كانت نقطة تحوّل: كلمةُ سكينةٍ من جسد هش، باركةٌ صغيرة في زمنٍ متعب. في الصباح التالي جلست أُصَلِّي، وأدعو أن يكون الشفاءُ أثراً يستمر، أثرٌ لا يمحى.
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئًا بأشياء لا تُحكى. سجدت، وجلست هكذا، أكرر دعاءً صغيرًا قالتها أمي مرة عبر الهاتف حين كنت شابًا مشوشًا. في السجود شعرت ببرودة السجادة على جبيني، وصوت المطر صار أقرب، وشيئًا داخل صدري بدأ يخف. تذكرت: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ. لم تحَل كلّ الأشياء فورًا، لم تُصافحني الإجابات، لكن انفتاح الصدر كان حقيقياً. بعد الصلاة اتصلت بأخي بصوت رقيق، لم نحل كل شيء في تلك المكالمة، لكني شعرت أن شيئًا ما التئم، بصمت، في بيتنا الصغير.
لم أصدق أن آخر كلامي معه كان كلامي المتعجرف. كان رمضان، الشوارع في حي كاراكوي قد بدأت تضيء بخيوط الأضواء، ورائحة السميت تأخذني إلى نوافذ المحلات. قبل أيام من الصيام كنت قد شتمني لأنني لم أجب على مكالمته في وقتها. قلت أشياء بسرعة، ثم أغلقت الهاتف. بعد يومين جاء الخبر، لم يعد. لم أنم تلك الليلة، جلست بجانب النافذة أتابع ضوء المنارة ينعكس على مياه البوسفور. ثم فتحت المصحف وأيقنت أن الرحمة أقرب مما أظن. قرأت في قلبي قولا من القرآن، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ. بكيت بصوت منخفض، قلت اللهم اغفر له ولِي. خرجت إلى المقبرة قبل الفجر، الهواء بارد ورائحة الأرض رطبة، وقفت أمام قبره ولم أستطع أن أعدّ كلمات كفاية. فقلت توبة، توبة صادقة، وعاهدت نفسي أن لا أترك صمت الندم يحل محله السكوت. في رمضان تعلمت أن التوبة ليست كلمة تقال لمرة، هي فعل يبدأ بخطوة صغيرة، زيارة، دعاء، وعد بالثبات.
في إحدى الليالي المطيرة في قسم الطوارئ، بقيت رائحة الكلور تلاحقني بين الحجرات، والصوت الوحيد كان صفير المصل في القوارير. امرأة تدخل في وجهي بغضب بعد أن فشلت محاولاتنا مع والدها، قلت لها كلمات قاسية، عرفتها حين خرجت، لكن الغضب كان قد سبقني. جلست في سيارتي تحت نور الشارع الخافت، المطر يقرع سقف السيارة بجملة طقس، والراديو يقرأ بصوت رخيم: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ..." توقفت. الصوت كان كأنما طرق باب صدري. فتحت حقيبتي وأخرجت القرآن القديم، لم أفتحه بقصد بل لليّمة من الألم، ووجدتني أقرأ بصوت مرتعش: "لا تقنطوا من رحمة الله". نهضت، توضأت في دورة مياه القاعة الصغيرة، صلّيت ركعتين بطول إلى الله، قلت: "اللهم إني تائب". في الصباح ذهبت إلى بيت والدتي، ورائحة الملوخية في المطبخ كانت أول شيء يطبطب عليّ. جلست أمامها، قبلت يديها، اعتذرت عن أيام غفلتي. لم تكن كلمات المعالجة معقدة تلك اليوم، بل الرجوع الصادق، وكأن التوبة تركت أثرا خفيفا على صدري، أهدأني قبل أن أهدئ غيري.
رمضان الماضي، كنت أخرج من صلاة التراويح في مسجد الحي، والليل رطب برائحة المسك وقهوة السحور. قبل عام كان أبي لا يزال في البيت، يترك أثره في كل زاوية، طقم سبحته على طاولة القهوة، رائحة العود على ثوب الفجر، وصوت دعائه الخافت قبل الفجر. كنت أعمل في التعليم، وأعطي الصفوف كل وقتي. أتذكر صباحا واحدا، ضغطت يده الرفيعة على كتفي وقال بهدوء، تعال نصلي الفجر معاً. أجلته، ثم أجلته، حتى رحل. بعد الدفن بقيت أشتكي لفراغٍ لا يُملأ. في الصلاة تلك الليلة، أثناء تلاوة الإمام، شعرت بأنني أعود إلى نقطة صغيرة داخل صدري، نقطة تحمل كل تأخيري عنه. خرجت إلى الشارع الهادئ، عدت إلى البيت، جلست على سجادته، لمسه كان بارداً، لكن سبحته كانت دافئة، كما لو أنه تركها للتو. عندها قلت بصوت مسموع دون ترتيب، يا رب اغفر لي، وإني أسألك التوبة الصادقة. لم تكن كلمات مناجاة فحسب، بل قرارٌ أن أترك ما ضيعت من لينٍ ووقت. خلال رمضان بدأت أستيقظ مبكراً، أدعو في سجودي، أزور قبره وأتصل بأمي أكثر. أثر التوبة لم يمحِ الماضي، لكنه جعل صباحاتي تحمل اسمه.
في روتردام، بعد يوم طويل من المقابلات المهتزة وزيارات الوكالات، عدت إلى شقتنا الصغيرة الواقعة قرب محطّة بلاك. كانت الأرضية باردة تحت قدميّ، ورائحة القهوة القديمة ما زالت في المطبخ، وشال نور مطروح على ظهر الكرسي. كنت على حافة قرار، لم أكن واثقًا من دعوة التقدم للزواج أو من قدر الله في الرزق. جلست لأداء صلاة الفجر متأخرا، وفي السجدة الأولى شعرت ببرود البلاط تحت جبيني. وضعت جبهتي على الأرض وخفت الصوت، قلت بهمس بسيط، اللهم اهْدِني. لم تكن كلمات منظمة، كانت شيئًا مثل استسلام رقيق. تذكرت آية صارت مألوفة في ليلتي، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وشعرت بأن الهدى ليس انفراجًا ضوئيا، بل يدا تهز قلبي بلطف. في الأيام التالية جاء اتصال من جهة عمل، عرض صغير لكنه كريم بما يكفي، ونور وافقت أن نحدد موعد الخطبة دون ضغط. لم تُنْهي تلك السجدة كل أسئلتي، لكنها تركت أثرًا. أحيانًا الهداية لا تكسر الشك فجأة، لكنها تزرع يقيناً صغيراً يكبر مع كل خطوة، ويُعلمك أن الرزق والزواج يمكن أن يأتيا في أطر لم أتوقَّعها.
في أحد ليالي بيروت الممطرة، كنت أجلس في مكتب الأخبار وحدي؛ ضوء الفلوريسنت يزمجر، وطابعة تخرُّ من وقت لآخر، ومذاق قهوة قديمة على مكتبي. العمل استهلك سنواتي: تغطية، مواعيد نهائية، تنازلات صغيرة جعلتني أتجاهل الصلوات حتى اعتادت ذاكرتي غيابها. هاتف أمي رنّ فجأة، صوتها هادئ كما لو أن المطر لم يغسل كلّ شيء، قالت: "صلي يا رانية، قلّي ما بدّي إلا سلامة قلبك". لم يكن سؤالًا واعظًا، بل تذكيرًا بعينٍ تعرفني منذ الطفولة. وقفتُ، ذهبت إلى حوض بلاستيكي بجانب ماكينة القهوة، الماء كان بارداً وكاشفاً، ووضوء سريع أتى مع ارتجاف اليدين. تذكرت دعاء أمي البسيط: "اللهم استرها"، وقلتُ بين الشفتين: "أستغفر الله". ركعتان لم يأخذهما أحد إلا أنا؛ الأرض الباردة تحت قدمي كانت صادقة، وسجودي الأول فيها لم يحمل كلمات عظيمة، بل نية صادقة: توبة. عندما انتهيت، شعرتُ بأن داخلي قد تراجع بعد رحلة طويلة من الخذلان، وأن شيئًا صغيرًا من الهدوء عاد. في صباح اليوم التالي، اتصل والدي يسأل عن النوم؛ لم أخبره بالتغير الكبير، لكني عرفت أنني بدأت أترك أثراً جديداً في قلبي، ببطء ومثابرة.
كنت أعمل في ورشة صغيرة خلف مكتبة قديمة في باشتشارشي، حيث تزدحم الشوارع بالتراب ورائحة القهوة المغلية في فجر بارد. طالما اعتبرت عملي تصليح الكتب عملاً عادياً، حتى ذلك المساء الذي كدت أن أترك فيه كل شيء لصالح وظيفة مكتبية ثابتة، مقابل أمان مادي كنت أفتقده بعد سنوات الحرب. كان الجو مليئاً بالغراء والغبار، وطرقت أصابع الكتاب المثقوب في يدي، وجدت قبلية مدفوعة بين الصفحات. ورقة صغيرة مطوية، خط يد طفل وكتابة بسيطة: "يا رب اهدني"، وتاريخ مكتوب بخط متعرج من عام 1996. رفعت رأسي فسمعت أذان العشاء يأتي من مآذن المدينة، الصوت يتسلل إلى الورشة عبر نافذة نصف مكسورة. تذكرت آية كانت ترد في داخلي دائما، إنا مع العسر يسرا. لم تكن لحظة تغيير دراماتيكية، لكنها كانت هادئة، كنور يدخل عبر شق في جدار. جلست، دعوت، ثم عدت إلى عملي. شعرت بثقة مختلفة، اعتماد على الله في رزقي، والعمل كطريق للهداية، لا مجرد وسيلة للعيش. ألصقت تلك الورقة على طاولتي. أراها كل صباح، تذكرني أن الهداية قد تأتي بين صفحات مهملة، وأن أثرها يبقى.
كثير من أيامي في إسطنبول تبدأ بصخب الشوارع ورائحة السمك المشوي، ثم مكتب مضاء بأضواء فلوريسنت ومهام تتكاثر. كنت أعمل ساعات طويلة حتى غابت عني صلاة الصبح أحيانًا، وعادت أثقال على صدري لا أعرف سببها. في صباح خريفي واحد، ركبت العبّارة إلى كاراكوي لأنني أردت مجرد أن أخرج من نفس الدائرة. جلست قرب النافذة، البخار على الزجاج، صوت محرك العبّارة، ورائحة الشاي على المقعد المجاور. سمعت الأذان يقطع الضجيج، لم أكن مخططًا للصلاة هناك، لكني قلت بصوت خفيف، "اهدنا الصراط المستقيم". لم تكن كلمات جديدة، لكنها وقفت في صدري كإضاءة صغيرة. لم أقلق على المستقبل ولا على المشروع المتأخر، فقط قلت لنفسي إن علي أن أسمع هذا النداء. نزلت من العبّارة وذهبت إلى مسجد صغير، ركعتان لم أكن أتوقع أنهما ستغيران شيئًا. القرار التالي لم يكن كبيرًا، فقط قلت لمديري إنني أحتاج وقتًا لأرتب أموري. بدأت أمشي على البوسفور بعد العمل، أخذت معي كوب شاي، وعدت لصلاة الفجر. الروتين الصغير هذا لم يحل كل شيء، لكنه كان بداية شفاء. هدية الهداية كانت أنها لم تفرض علي طريقًا، بل أشعلت مصباحًا صغيرًا يمكنني أن أمشي نحوه.
كانت رائحة المطهر تختلط برطوبة ليل كوناكري، وأنا أنهِ نوبة في المستشفى، متعبة إلى حدٍّ يجعلني أعدُّ خطواتي إلى شقتنا كنعمة. فتحت الباب، ورأيت أمي فاتو جالسة على الكرسي، راديو صغير يهمس بالقرآن، صوت السورة يملأ الغرفة كغبار نور. كانت تتنفس بصعوبة، صدرها يشتغل، واحترت: هل أستدعي سيارة إسعاف أم أؤمن لها nebulizer الذي أحمله في حقيبتي من العمل؟ لم أحدث قرار، شعرت بهداية بسيطة تتسلل إلى قلبي. جلست بجانبها، وضعت يدي على صدرها، قيّمت التنفس، ثم همست بدعاء قصير، ذاك الذي علمني إياه أبي عند كل موقف: ربي اشْفِها. لم أقرأ بروتوكول كامل، بل قرأت مع أمي آية واحدة بصوت ضعيف، إن مع العسر يسرا. هدأت قبل أن تبرد بشرتها تحت كفي. ذلك المساء لم يكن اختراع دواء جديد، كان قرار الحضور، أن أكون ابنتها الممرضة والابنة معًا. شعرت أن الهداية كانت في البساطة، في أن أترك السجل الطبي جانبًا، وأن أؤمن للحظات بالشفاء الذي يمر عبر لمسة وصلاة وقرآن.
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني صوت الراديو والذكر، ولون فجر الجزائر من مرآة الزجاج. في ليلة ممطرة عند موقف استراحة خارج بجاية، توقفت لشرب شاي، رائحة المازوت تتسلل عبر النافذة، والمقاعد الجلدية بارده من المطر. قدم إلي شاب مهترئ، قال لي بصوت مرتعش إنه حديث عهد بالإسلام، ترك كل شيء وجاء يبحث عن صلاة ومكان يثبت فيه. وضعت له بطانية من سيارة النوم وصنعت له شاي بالنعناع، هو فتح كتاب صغير للقرآن وكان يرتعش حين قرأ. جلستُ أصغي أكثر مما كنت أتكلم، ثم دعوت له بصوت منخفض، قلت هذه الآية في قلبي، «فإن مع العسر يسرا»، قلت اللهم اهدِ وارفع عنه شدة الشك. لم يكن ثورة ولا لحظة نور مكشوف، بل صوت المطر يتوقف فجأة، وسكون داخل الكبينة، ودموع هادئة تبلل صفحات الكتاب. حينها شعرت بهدية صغيرة تحدثت منّي، سردت له كيف كانت الصلوات في الطريق تداويني من الوحدة والغضب. لم أكن أعلّم، بل كنت مشاركًا في شفاء، وعرفت أن الهداية قد تمر من خلال شاحنة قديمة ورائحة شاي.
كنت مهندسًا في موقع بناء في القاهرة، أعمل حتى آخر زفرة من النهار لأننا بحاجة لتسليم مخطط. في ليلة ممطرة، رائحة الأسمنت المبلل والديزل امتزجت بصوت مولد بعيد. ارتكبت خطأ في حساب لعمود، خطأ بدا صغيرًا حتى بدأ الجدار يتشقق في الصباح. ضربتني الدهشة أولًا، ثم شعور بالذنب كما لو أن ثِقَلًا يجلس على صدري. تذكرت قول أبي، الذي كان دائمًا يكرر لي أن الرزق لا تأتي به العجلة. جلست على ركن الموقع، ويدي ما تزال عليها آثار الغبار، وفتحت هاتفي لآية قرأتها بسرعة في المسجد قبل قليل. رنّت في أذني آية، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، وكانت كالماء على جذع يابس. حضرتني التوبة فعلًا، لم تكن كلمات جاهزة، كانت قرارًا أن أعترف بالخطأ وأصلحه. دققت الحسابات مع الفريق، بقيت في الموقع حتى هدأت الشروخ، ووضعت خطة لإعادة السلامة. عندما عدت إلى البيت، وجدت زوجتي قد غمّرتني بكوب شاي دون كلام، عينها تقول لي ما عجزت الشفاه عن قوله. لم تختفِ أخطائي بين لحظة وضحاها، لكن قلبًا صغيرًا من التواضع، ودعاء ليلة فجر، كان كافياً لبدء طريق مختلف. التوبة كانت أثراً تركته في عملي وفي صدري، أثر يذكرني أن الرجوع ممكن، وأن الرحمة أقرب مما أظن.
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سودت بأصابعها. همست آية، إن مع العسر يسرا، وكل حرف بدا له وزن على صدري المكتوم. لم أكن أبحث عن إجابات، فقط عن دفء يثبت أنني لا زلت أتنفس بعد كل ما انتهى. قمت لأغتسل، الماء البارد على يديين، ثم على وجهي، صوت الماء كصلاة قصيرة. ركعت ثم سجدت، ولم يكن السجود حلما، بل لحظة بسيطة حيث شعرت أن ذاك الخيط القديم من الأمان يعود لي، شيء كفّ على قلبي. في الصباح، عندما وصلتها رسالة من صديقتي عائشة تقول فقط، "أنا هنا"، لم تنتهِ الجراح، لكنني فهمت أن الشفاء أحيانًا يبدأ بصوت قرآن، بكوب شاي، وبوجود قريب يحبك بلا شروط.
في ليلة اشتد فيها البرد فوق سراييفو، خرجت من البيت بعد مشاجرة مع ليلى حول المال والخوف من الرزق. الشوارع كانت مغبرة بالثلج، ورائحة القهوة من كشك قديم تلوح بين المباني، وصوت صفارات الترام يتكرر كنبض المدينة. جلست على كرسي حجري قرب نهر ميلجاكا، وسمعت الأذان من مآذنة بعيدة، شعرت بتيار يمر في صدري، تذكرت آية سمعتها في مسجد في طفولتي، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، وتأكدت أنني أسرفت في الكبرياء لا في العمل فقط. لم تكن توبتي كلمات مصقولة، بل لحظة يبادرني فيها قلبي لأدعو بهدوء، اللهم اغفر. رجعت إلى البيت قبل أن تبرق في الشوارع الأنوار، فتحت الباب، وجدت إبريق الشاي يغلي وأنفاس ليلى على الوسادة، ورقة صغيرة عليها كلمة واحدة، سامحني. جلست على سجادة الصالة، ركعت ركعتين بدون توقع، ثم استدرت إليها وأخبرتها أنني سأبحث عن رزق وإصلاح، لكن قبل كل شيء سأبقي مكاننا آمناً. تبسمت وعانقتني كما تعانق المدينة وقت المطر، ومعها شعرت أن التوبة كانت بسيطة لكنها تركت أثراً حقيقياً.
ثلاثون عاماً من البحث لم تكن كلها مسيرة طويلة وواضحة. كانت تتخللها لحظات صغيرة، كتاب قرأته في مقهى، ليل طويل مع طفل مريض، أغنية سمعتها صدفة في الراديو، لكنها لم تكن هداية، بل أشياء تشبه طرق فرعية. كنت في الممر الخلفي للمستشفى بعد دفن أمي، ألبس سترةٍ لم تعد دافئة من رائحة الصابون والحرارة. رجعنا إلى شقتي الصغيرة قبل منتصف الليل، والأطفال نائمون بوجوههم على وسادة واحدة. وضعت فنجان الشاي على الطاولة؛ البخار ارتفع ببطء. شغلت تسجيلاتٍ في هاتفي، واحدٌ منها قرأتُ فيه: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب". سمعت الجملة كالنبضة. لم يحدث انفجار روحي، بل صوت خفيف تحت وقع خطواتي: لمَ لا أجرب؟ فتحت المصحف للمرة الأولى بجديةٍ، لم لأُحكم عقيدة، بل لأعرف إن كانت هذه الكلمات ستبقى. دخلت يدي على صدري كما كنت أفعل عندما أطلب الطمأنينة من والدتي. همست التوحيد بصوتٍ لم يتعمد الصراخ: "لا إله إلا الله". لم تنتهِ الخسارة، ولم تُحل كل الأسئلة، لكن شيئاً توقف عن الترقب. صلّيتُ حينها صلاةً بعينٍ نصف مغمضة، ودعوتُ بدعاءٍ بسيط: "اللهم اهدني". في الصباح تبخرت رائحة الشاي، ووجدتُ نفسي أصلي الفجر مع أول شعاع ضوء، وأطفالٌ يضحكون في المطبخ. الهداية لم تُسرق منّي، بل استقرّت خطوة بخطوة.
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل. قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للوقوف وحيداً ثمّ ليس وحيداً. غسلت يديين في الحوض القديم، ثم صليت ركعتين، لم أخطب، فقط دعوتُ: يا رب ارحمه، وذكرْتُ آيةٍ جاءتني في سكون الصلاة، إن مع العسر يسرا. لم تكن المعجزة انفجاراً، بل صوت أمّي عبر الهاتف تقول بصوت مختنق: لم أتخذ وقتاً كافياً، أنا آسفة. التئم شيء ببطء. لم تختفِ الخسارة، لكن شعرت أن أثراً قد وُضع، أثرٌ صغير من صبر ودعاء ومسامحة. خرجت من البيت والشارع لامع، وأخذت معي رائحة الشاي على معصمي، وتذكرت أن الشفاء لا يعلن نفسه، بل يترك أثراً.
الضوء الفلوري فوق السرير يهتز بصوت منخفض، والهواء لزج من نافذة مطبخة في الطابق الثالث. كنت أصارع حمى لم أتعلم كيف أميتها، جسدي يذكرني بكل صلاة فاتت وأنا أعقد اللسان أعذارًا عند باب المسجد. وصلوني إلى كونوت عندما لم أعد أقوى على المشي، وبقيت أمضي الليالي أستمع إلى مذيع الراديو يتلو آيات عن رحمة الله، والعبارة التي بقيت في رأسي، يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. أمي كانت تنظف جبيني بقطعة قماش مبللة، ورائحة الأرز المطبوخ تملأ الغرفة. قبل الفجر استيقظت وطلبت ماء للوضوء، طعمه كان معدنيًا لكن ممارستي للوضوء كانت أشد مني، كل حركة كانت اعترافًا. ركعتُ والسجود كان أول كلام ناطق منّي منذ أسابيع، قلت توبة بلا تكلف، قلت أسفت، قلت أحتاجك. لم يتغير كل شيء في صباح واحد، لكن حين فتح الجار الباب بعد صلاة الفجر ومعه ظرف فيه بعض المال وقصاصة تقول إن هناك عمل بسيط قد يكون مناسبًا لي، شعرت أن شيئًا قد صار أثراً. لم تكن تلك اللحظة تخلصًا من كل الهموم، لكنها كانت بداية توبة جعلت خطاي تبدو أقل ثقلًا، ورزقًا يظهر بخطوات صغيرة من كل من حولي.
كنت أقف في ردهة مستشفى ماسستاد في روتردام، المعطف لا يزال مبللاً من المطر، ورائحة المعقم تطغى على رائحة القهوة من آلة قريبة. فقدت أمي قبل سنة، ووالدي دخل المستشفى بعد تشخيص المرض. كل شيء بدا رسميا وصارماً، أوراق، أطباء، أرقام غرف. في الداخل كان قلقي أكبر من أي سطر في تلك الأوراق. جلست على كرسي بلاستيكي، الهاتف بين يدي يكرر تلاوة خافتة. لم أصَلِّ بانتظام منذ شهور، لم أكن أشعر أنني أستحق ذلك. ثم شعرت بخفقة في صدري، بغصة لا أستطيع تحديد مصدرها، فنهضت وقصرت الطريق إلى مصلى صغير، بساط صلاة رقيق على أرضية باردة. سجدت، وقمت أقول أستغفر الله بصوت منخفض ثم ببطء صار الكلام يتحول إلى استسلام. لم تكن كلمات بثينة، كانت همسات مكسورة، تكررت حتى شعرت بسلامٍ خفيف يدخل من رقبتي إلى صدري. تذكرت الآية التي تقول إن الله يحب التوابين، ولم أعد أعرف إن كان ما أشعر به فرحا أم ارتياحا، لكني علمت أنني وصلت. غادرت المصلى وأمي مجسدة في صورتي القديمة، ووالدي ينظر من غرفته بعينين أضعف، ومع ذلك كان شيء في صايعي مختلفاً. لم تختفِ الخسارة ولا المرض، لكن السجدة تركت أثرها، بسيط وحقيقي، كالندى على الزجاج في صباح روتردام.
أسلمت عام 2019 في مانشستر. في أحد أمسيات الشتاء، كنت جالسًا بمفردي في الشقة الصغيرة، نافذة المطبخ بها قطرات مطر، وكأس شاي يُصدر بخارًا برائحة النعناع. كنت أُحاول أن أرتب أفكاري، شعور بالجمود يضغط في صدري، جمال الطريق الجديد و وحشته معًا. وضعت القرآن على الطاولة، تشغيلت تلاوة بصوت خافت. لم أكن أبحث عن معجزة، فقط عن كلمة تبعثر الضباب. ثم سمعت آية وجدتني، العبارة القصيرة التي تقول إن الله قريب. همست دون تفكير، اللهم اهدني، وأنفاسي باردة ورأس الورق بين أصابعي دافئ من حرارة الكتاب. قمت لأصلي ركعتين، لم تكن لغة جسد كبيرة، لكنني شعرت بيد لمست كتفي، ليست يد إنسان بل هداية داخلة. خرجت لأغسل وجهي فالمطر كان قد هدأ، رائحة الأرض المبتلة ملأت الهواء. في المدخل، جارتنا الصغيرة طرقت الباب لتسأل إن كنت أريد فنجان شاي، ضحكنا معًا على شيء بسيط، وحينها شعرت أن الهداية لا تأتي دائماً كإعصار، أحيانًا كآثار هادئة تبقى على اليد والسرير والطاولة.
الوردي في ضوء الممر كان باهتاً، والطرابيزات المعدنية تنبض بصدى خطواتي. بعد مناوبة طويلة في مستشفى الأردن، بقيت رائحة المطهر في أظافري، وصوت أجهزة المراقبة يطبع الليل. حين أدرت ظهر الغرفة، سمعت رجلاً يهمس آية من القرآن، فقلتها معه بصوت خافت، فكانت فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا على شفاهه، وعلى لساني أيضاً. المريضة التي ربتت على قلبي لم تشف جسدياً. لكن في تلك اللحظة، بينما أمسك بيده وأسمع ترديد الآية، شعر شيءٍ في صدري يرتخي. لم يكن الحل سريراً أفضل أو دواءً جديداً، بل وجود صوت، ومشاركة نفس الدعاء، وراحة القلب. عندما رجعت إلى البيت، وجدت سامي قد غلى شاي النعنع، وضع كوباً دافئاً بين يدي، ووضع كفه على كفي كما لو كان يخبئ قلبي الممزق في راحة يده. جلسنا نصلي معاً صلاة المساء، لم نطلب دائماً شفاء معجزي، قلنا يا شافي، ثم تركنا الصمت. الشفاء جاء كأثر صغير، لا يزيل كل الجروح، لكنه يجعلها تقرأ الحياة من جديد.
بعد خمسين عاماً من التدريس في بورصا، أدركت أن معظم دروسي الحقيقية كانت خارج الفصل. يومٍ آخر في خزائن المدرسة، بينما كانت رائحة الطباشير مع قهوة الصباح تملأ الغرفة، وجدت ورقة صغيرة مطوية داخل دفتر قديم. خط طفلٍ متعرج كتب فيها: «اللهم اهدنا». توقفتُ. تسمعتُ أذان الظهر عبر النوافذ المفتوحة، وصوتَه كأنه يُرجعني إلى أيامٍ كنت أقف فيها أمام اللوح بقلبٍ صادق. تذكرتُ كمال، تلميذي الذي كان يتهرب من المدرسة ويعود إلى البيت بوجهٍ جامد. ذات يوم أحضر لي كوب شاي، وضعه بهدوء على مكتبي وقال: «علِّمتني أن أصلي». وقتها ابتسمتُ فقط، لكن لم أدرك أثر تلك العبارة. الآن، بعد أن تقاعدت وأنا أقترب من ليلى، زوجتي، بعينين أكثر هدوءًا، فهمتُ أن الهداية ليست بالخطبة الكبيرة، بل بدعاءٍ صغيرٍ مكتوب على ورقةٍ مهترئة، بدعاءٍ تقولُه يد طفل أو زوجة تنتظرك للصلاة. غسلت يدي في حوض الصف، صليتُ صلاةً قصيرةً هناك، وشعرتُ بأن قلبي يعود إلى مكانٍ كان ينتظرني. لم تعد معرفتي مهمةً بقدر ما كان وجودي كأداةٍ بسيطةٍ للهداية. منذ ذلك اليوم، أعود كل أسبوعٍ إلى المسجد لأعلم القراءة لأخذَ هذا الشعور معي، هدية صامتة، أثر يبقى.
قبل رمضان الماضي كان البيت على شارع Mangga لا يهدأ عند السحور، طقم الملاعق يقرع كأس الطبخ، رائحة tempe goreng تتصاعد مع بخار الأرز. كنت مستيقظة منذ منتصف الليل، أراقب أمِّي تغالب الألم بعد العملية، وزوجي عريف يجلس على طرف السرير بيدٍ متشابكة، عيوننا كلها تعب. المرض صنع فجوة صغيرة بيننا، ليست غريبة فقط لأنها جسدية، بل لأنها حملت صمتًا وخوفًا لم نعهدهما. في أحد أيامه، استيقظت قبل الأذان، جلست على الشرفة، الهواء لا يزال رطبًا من مطر المساء. سمعت صوت المذياع من المطبخ، صوت أمّي تدعو بصوت خافت، ثم تلاها أذان الفجر من الجامع القريب. تذكرت آية، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، كررتها ثلاث مرات بصوتٍ خفيض حتى شعرت أن قلبي يخف. عدت إلى الداخل، جلست إلى جانب عريف ووضعت يدي على يدِه، كانت يده باردة، قلت بصوت لا يخصني وحدي، اللهم اشفه لنا واصلح بيننا. لم تحلّ كل الأمور في تلك اللحظة، لكن شيئًا رقيقًا انكسر، سكبنا قهوةً صغيرة، وتبادلنا ضحكة ضعيفة. الفجر لم يداويني بمعجزة، لكنه أعادنا لبعضنا، وكان ذلك بداية الشفاء.
كنت أعود إلى شقتي في بيروت بعد سهرة عمل طويلة، رأسٌ ثقيـل، وقلـم بلا حبر. رمضان كان يدق الباب بشكله المعتاد هذا العام، لكنه بدا لي أكثر صمتاً. ليلة، بعد التراويح، جلست على شرفتي الصغيرة بصحبة فنجان قهوة بارد ونسخة قديمة من القرآن مهشمة الأطراف. الضوء الأصفر من الشارع رسم خطوطاً على صفحات المصحف، والبحر كان يهمس من بعيد. قرأت الفاتحة بلا ترتيب، ثم همست، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، كأنها دعاء يخرج من مكان لا أعرفه في صدري. لم يكن وحي مفاجئ، بل إحساس رقيق، كما لو أن اتجاهاً صغيراً يتكون داخل جسدي. في السجود تلك الليلة شعرت بأن خطوة واحدة يمكن أن تغير مساري، ليست خطوة درامية، بل بريد إلكتروني صباحاً، استقالة هادئة من وظيفة أرهقتني. في الصباح تفتح السماء وخُضرة الياسمين تصل الشرفة، ومشاطرة القلق مع رُكن من القرآن جعلت القرار يبدو أقل شراسة. لم تحضر هداية كإعلان، بل كآية صغيرة تترك أثراً، ثم تختفي لتدعوني إلى بداية جديدة.
في رمضان الفائت، قبل أن يشرق الفجر، جلست على شرفة شقتي في بيروت. الشارع كان لا يزال ناعسًا، ورائحة القهوة بالهيل تتسلل من شباك الجيران. كانت هناك سترة صغيرة طويت على الكرسي، بقيت معها طويلاً بعد انفصالنا. لم أستطع رميها، ولا فتحها، كانت مثل رسالة لم تُقرأ. أحضرت سجادتي القديمة، تلك التي كانت معي في تغطيات الحروب والاحتفالات، وضعتها على الأرض. خشونتها تحت ركبتي شعرت كأنها تذكرني بوقوف طويل. عندما ركعت، خرجت مني كلمة لم أخطط لها، همسة قصيرة إلى الله، اللهم اشف قلبي. في السجود، تذكرت آية بسيطة من سورة الشرح، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وهي تتكرر داخل الرأس كما تتكرر خطوات الناس نحو الإفطار. عدت إلى السترة، فتحتها. كانت تفوح رائحة منه، لكني لم أعد أبحث عن سبب لأبكي. طويتها بعناية، وضعتها في صندوق صغير، ووضعت فوقها ورقة كتبت عليها: بداية. لم يحدث انفجار داخلي، لكن شيئًا رقيقًا خُيط في صدري، خيط من يقين أن الشفاء يأخذ وقته، وأن الصلاة والدعاء لا يتركان القلب وحيدًا.
1 د·about 2 months ago
70
هل لديك قصة تنتمي إلى هذه المجموعة؟ شاركها مع من يبحث عن أثرٍ يشبه أثرك.