لم أنشأ بين المسلمين. معظم ما كنت أعرفه عن الإسلام جاء من الأخبار، والأفلام، أو التعليقات العشوائية التي كان الناس يطلقونها. لم أكره الإسلام أبداً، لكنني لم أعتقد أنه له علاقة بي. بدا لي أنه شيء يخص الآخرين.
قبل بضع سنوات، كنت أعمل مع رجل مسلم يُدعى سمير. كان هادئاً، وسهل التعامل معه، ولم يحاول أبداً إقناع أي شخص بشيء. كل يوم بعد الظهر، كان يختفي لمدة عشر د…
في صباح رمضان في بيتنا الكبير في جاكرتا، كان الفجر يمر هادئا بين أصوات الميكروفر ومحركات أوجيك. كنت مريضة ذلك العام، سعال ثقل صدري وحُمّى خفيفة، وأمي تجهز بوبور أَيوم للمسحور بصوت منخفض كي لا توقظنا كُلية. حاولت أن أغمض عيني أكثر، لكن الآذان وصل من المسجد القريب، صوت المأذّن نحيل، وكأن الفجر نفسه يطرق نافذتي.
جلست على حافة السرير، حرارة جسدي تعلو والبرد يعض…
كنت أظن أنني أعرف طعم الخيبة. التجارة تتقلب، والأرقام على شاشة الهاتف تقرأ كقضاء. في أحد الشتاء، بعد صفقة فشلت، عدت إلى البيت في الكويت وأذني تطن بصمت الخسارة. المنزل كان دافئًا، رائحة الهيل في القهوة تتسلل من المطبخ، وأمي تجلس بجانب نافذة تطل على النخيل. أبي لم يتكلّم كثيرًا، وضع كفه الخشنة على كتفي بصمت. لم أكن أستحقه، هكذا ظننت. ظللت ليلة لا أنام فيها، أك…
كنت شابة أعمل في دكان البن في حارةٍ من حارات هَرَر، كنا نطحن الحبوب على نار صغيرة، ورائحتها تعلّق في ثيابي كأنها جزء مني. أحياناً، عندما كان البيُوت عُريّة من الطعام وطفلي يبكي، أضعُ قبضةً صغيرة من البن في جيبي، أعود بها للمنزل لأغليها للأطفال. لم أفكر أني آخذ شيئاً عظيماً، فقط ذرة تُسكت الجوع وتدفئ الفم.
مرت السنين وأصبحت جدة لتسعة أحفاد. الدكان أغلق قبل سن…
حين توفي والدي، وجدت نفسي أركب المتاتوا من كايوغين إلى مسجد صغير في ناروباي وأنا أحمل مسبحته بين أصابعي. كان الجو رطبا، ورائحة الشاي الحلو تعبق في الهواء، والأرض مغبرة من مطلع الموسم. لم أكن أعرف إن كنت أسترد صلاة أو أهرب منها. تركت الصلاة في شهور الحزن، وكنت أعيش بنفاقٍ كالصوت خلف الباب، أقول الاستسلام لكن قلبي ممتلئ بالندم.
في المسجد جلس رجل كبير السن يقر…
اتصلوا بي في الثانية صباحا، والدكا تمطر بحماسة، والمطر يطرطق على سقف الأوتو. كانت نتيجة الامتحان مطبوعة على مكتبي، كلمة راسب بخط أسود، وفي جيبي بطاقة المستشفى. دخلت قسم العناية المركزة، ورائحة المطهر والأكسجين تملأ المكان، وضوء الفلوريسنت يرن كساعة لا تتوقف. كانت أمي صغيرة بين الأغطية، يدها ضئيلة كحبة مانجو. شعرت بتقصير، بالرسائل التي لم أقرأها، بالصلوات الت…
جلست على عتبة بيتنا في أبلاسي، والبحر أمامي يتلألأ تحت شمس الظهيرة، والهواء يحمل رائحة قهوة الصباح وملح المياه. كنت أفتح دفتر الدعاء كما أفعل كل مساء قبل النوم، صفحاته رقيقة والأحرف بها ثقل ما بين أمل وخجل. مررت على تدوينات السنوات الماضية، أدعية مكتوبة بخط متردد عن امتحانات، عن ضياع صلاة، عن كلمات نطقتها ثم ندمت عليها.
وصلت إلى صفحة كتبتها بعد ليلة بكيت فيه…
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي.
صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات…
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي.
في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي…
في غرفة الطبع التقليدية بجوار دار القرآن، حيث رائحة الشاي بالنعناع تلتصق بالحوائط، كنت أرتب مصاحف قديمة وأحاول أن أضم صوتي إلى أصوات الصغار. من فاس، أحفظ القرآن وأعلّمه، لكن بعد موت أبي شعرت أن دفتري اليومي قد فقد الصفحات. كنت أتيه في الصلاة ومواعيد الدروس، أقول اللهم اهدني بصوت خافت لا يطمئنني.
ذات ليلة، كان العصفور الخارجي يقرع نافذة الحجرة، وفتى صغير يقر…
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تف…
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئ…
في إحدى الليالي المطيرة في قسم الطوارئ، بقيت رائحة الكلور تلاحقني بين الحجرات، والصوت الوحيد كان صفير المصل في القوارير. امرأة تدخل في وجهي بغضب بعد أن فشلت محاولاتنا مع والدها، قلت لها كلمات قاسية، عرفتها حين خرجت، لكن الغضب كان قد سبقني. جلست في سيارتي تحت نور الشارع الخافت، المطر يقرع سقف السيارة بجملة طقس، والراديو يقرأ بصوت رخيم: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الّ…
لم أصدق أن آخر كلامي معه كان كلامي المتعجرف. كان رمضان، الشوارع في حي كاراكوي قد بدأت تضيء بخيوط الأضواء، ورائحة السميت تأخذني إلى نوافذ المحلات. قبل أيام من الصيام كنت قد شتمني لأنني لم أجب على مكالمته في وقتها. قلت أشياء بسرعة، ثم أغلقت الهاتف. بعد يومين جاء الخبر، لم يعد. لم أنم تلك الليلة، جلست بجانب النافذة أتابع ضوء المنارة ينعكس على مياه البوسفور. ثم…
رمضان الماضي، كنت أخرج من صلاة التراويح في مسجد الحي، والليل رطب برائحة المسك وقهوة السحور. قبل عام كان أبي لا يزال في البيت، يترك أثره في كل زاوية، طقم سبحته على طاولة القهوة، رائحة العود على ثوب الفجر، وصوت دعائه الخافت قبل الفجر. كنت أعمل في التعليم، وأعطي الصفوف كل وقتي. أتذكر صباحا واحدا، ضغطت يده الرفيعة على كتفي وقال بهدوء، تعال نصلي الفجر معاً. أجلته…
في روتردام، بعد يوم طويل من المقابلات المهتزة وزيارات الوكالات، عدت إلى شقتنا الصغيرة الواقعة قرب محطّة بلاك. كانت الأرضية باردة تحت قدميّ، ورائحة القهوة القديمة ما زالت في المطبخ، وشال نور مطروح على ظهر الكرسي. كنت على حافة قرار، لم أكن واثقًا من دعوة التقدم للزواج أو من قدر الله في الرزق.
جلست لأداء صلاة الفجر متأخرا، وفي السجدة الأولى شعرت ببرود البلاط ت…
في أحد ليالي بيروت الممطرة، كنت أجلس في مكتب الأخبار وحدي؛ ضوء الفلوريسنت يزمجر، وطابعة تخرُّ من وقت لآخر، ومذاق قهوة قديمة على مكتبي. العمل استهلك سنواتي: تغطية، مواعيد نهائية، تنازلات صغيرة جعلتني أتجاهل الصلوات حتى اعتادت ذاكرتي غيابها. هاتف أمي رنّ فجأة، صوتها هادئ كما لو أن المطر لم يغسل كلّ شيء، قالت: "صلي يا رانية، قلّي ما بدّي إلا سلامة قلبك". لم يكن…
كنت أعمل في ورشة صغيرة خلف مكتبة قديمة في باشتشارشي، حيث تزدحم الشوارع بالتراب ورائحة القهوة المغلية في فجر بارد. طالما اعتبرت عملي تصليح الكتب عملاً عادياً، حتى ذلك المساء الذي كدت أن أترك فيه كل شيء لصالح وظيفة مكتبية ثابتة، مقابل أمان مادي كنت أفتقده بعد سنوات الحرب.
كان الجو مليئاً بالغراء والغبار، وطرقت أصابع الكتاب المثقوب في يدي، وجدت قبلية مدفوعة بي…
كثير من أيامي في إسطنبول تبدأ بصخب الشوارع ورائحة السمك المشوي، ثم مكتب مضاء بأضواء فلوريسنت ومهام تتكاثر. كنت أعمل ساعات طويلة حتى غابت عني صلاة الصبح أحيانًا، وعادت أثقال على صدري لا أعرف سببها. في صباح خريفي واحد، ركبت العبّارة إلى كاراكوي لأنني أردت مجرد أن أخرج من نفس الدائرة. جلست قرب النافذة، البخار على الزجاج، صوت محرك العبّارة، ورائحة الشاي على المق…
يوم دفننا والدي، جلست في فناء البيت القديم، أتابع حركة الغبار تحت نور المصباح. كان الصوت الوحيد هو خطوات الجيران والأذان البعيد، وكنت أقول بيني وبين نفسي إنا لله وإنا إليه راجعون. لم أكن أعرف متى توقفت قلبي عن الانتفاض، لكني شعرت بأن شيئاً ثابتاً بداخلي ينهار ويعاد بناؤه بطريقةٍ بطيئة.
بعد أسابيع وجدت المقعد الخشبي الذي صنعه والدي قبل سنوات، نصفه مكسور، الطل…
كانت رائحة المطهر تختلط برطوبة ليل كوناكري، وأنا أنهِ نوبة في المستشفى، متعبة إلى حدٍّ يجعلني أعدُّ خطواتي إلى شقتنا كنعمة. فتحت الباب، ورأيت أمي فاتو جالسة على الكرسي، راديو صغير يهمس بالقرآن، صوت السورة يملأ الغرفة كغبار نور. كانت تتنفس بصعوبة، صدرها يشتغل، واحترت: هل أستدعي سيارة إسعاف أم أؤمن لها nebulizer الذي أحمله في حقيبتي من العمل؟
لم أحدث قرار، شعر…
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل.
قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للو…
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني صوت الراديو والذكر، ولون فجر الجزائر من مرآة الزجاج. في ليلة ممطرة عند موقف استراحة خارج بجاية، توقفت لشرب شاي، رائحة المازوت تتسلل عبر النافذة، والمقاعد الجلدية بارده من المطر. قدم إلي شاب مهترئ، قال لي بصوت مرتعش إنه حديث عهد بالإسلام، ترك كل شيء وجاء يبحث عن صلاة ومكان يثبت فيه.
وضعت له بطانية من سيارة النوم وصنعت…
كنت مهندسًا في موقع بناء في القاهرة، أعمل حتى آخر زفرة من النهار لأننا بحاجة لتسليم مخطط. في ليلة ممطرة، رائحة الأسمنت المبلل والديزل امتزجت بصوت مولد بعيد. ارتكبت خطأ في حساب لعمود، خطأ بدا صغيرًا حتى بدأ الجدار يتشقق في الصباح. ضربتني الدهشة أولًا، ثم شعور بالذنب كما لو أن ثِقَلًا يجلس على صدري.
تذكرت قول أبي، الذي كان دائمًا يكرر لي أن الرزق لا تأتي به ال…
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سود…
في ليلة اشتد فيها البرد فوق سراييفو، خرجت من البيت بعد مشاجرة مع ليلى حول المال والخوف من الرزق. الشوارع كانت مغبرة بالثلج، ورائحة القهوة من كشك قديم تلوح بين المباني، وصوت صفارات الترام يتكرر كنبض المدينة. جلست على كرسي حجري قرب نهر ميلجاكا، وسمعت الأذان من مآذنة بعيدة، شعرت بتيار يمر في صدري، تذكرت آية سمعتها في مسجد في طفولتي، قل يا عبادي الذين أسرفوا على…
ثلاثون عاماً من البحث لم تكن كلها مسيرة طويلة وواضحة. كانت تتخللها لحظات صغيرة، كتاب قرأته في مقهى، ليل طويل مع طفل مريض، أغنية سمعتها صدفة في الراديو، لكنها لم تكن هداية، بل أشياء تشبه طرق فرعية.
كنت في الممر الخلفي للمستشفى بعد دفن أمي، ألبس سترةٍ لم تعد دافئة من رائحة الصابون والحرارة. رجعنا إلى شقتي الصغيرة قبل منتصف الليل، والأطفال نائمون بوجوههم على و…
لم أنسَ ظهر يومٍ في أغسطس، وأنا أتسلق سلم السطح في بيتنا القديم بالقاهرة، حقيبة أدواتي مرهقة مثل نفسي. مشروع مهم فشل قبل أسبوع، وكان القلق يسكن معدتي. والدي قال لي طول عمري، الرزق لا تأتي به العجلة. لم أصدقه حينها، لكنه قالها بهدوء، وبنبرة حكيتنا عن السنين.
المضخة كانت تصدر طنيناً معدنيًا، رائحة الزيت تملأ الهواء، والغبار على يدي أذكرني بسنين العمل. جلستُ عل…
الضوء الفلوري فوق السرير يهتز بصوت منخفض، والهواء لزج من نافذة مطبخة في الطابق الثالث. كنت أصارع حمى لم أتعلم كيف أميتها، جسدي يذكرني بكل صلاة فاتت وأنا أعقد اللسان أعذارًا عند باب المسجد. وصلوني إلى كونوت عندما لم أعد أقوى على المشي، وبقيت أمضي الليالي أستمع إلى مذيع الراديو يتلو آيات عن رحمة الله، والعبارة التي بقيت في رأسي، يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسه…
كنت أقف في ردهة مستشفى ماسستاد في روتردام، المعطف لا يزال مبللاً من المطر، ورائحة المعقم تطغى على رائحة القهوة من آلة قريبة. فقدت أمي قبل سنة، ووالدي دخل المستشفى بعد تشخيص المرض. كل شيء بدا رسميا وصارماً، أوراق، أطباء، أرقام غرف. في الداخل كان قلقي أكبر من أي سطر في تلك الأوراق.
جلست على كرسي بلاستيكي، الهاتف بين يدي يكرر تلاوة خافتة. لم أصَلِّ بانتظام منذ…
لم أنشأ بين المسلمين. معظم ما كنت أعرفه عن الإسلام جاء من الأخبار، والأفلام، أو التعليقات العشوائية التي كان الناس يطلقونها. لم أكره الإسلام أبداً، لكنني لم أعتقد أنه له علاقة بي. بدا لي أنه شيء يخص الآخرين. قبل بضع سنوات، كنت أعمل مع رجل مسلم يُدعى سمير. كان هادئاً، وسهل التعامل معه، ولم يحاول أبداً إقناع أي شخص بشيء. كل يوم بعد الظهر، كان يختفي لمدة عشر دقائق. في يوم من الأيام، سألتُه أخيراً أين يذهب. ابتسم وقال: "أنا فقط ذاهب للصلاة." قالها بشكل طبيعي جداً مما أدهشني. لم يكن عرضاً. كان ببساطة جزءاً من يومه. في ذلك الوقت، كانت حياتي تبدو جيدة من الخارج. كان لدي وظيفة جيدة، وأصدقاء، ومال يكفي للاستمتاع بالحياة. لكن كل مساء يوم أحد، كنت أشعر بنفس الفراغ. كان يأتي يوم الإثنين، ثم يوم الجمعة، ثم عطلة نهاية أسبوع أخرى، وكان يبدو أنني أعيش نفس الأسبوع مراراً وتكراراً. كنت أتساءل، هل هذا حقاً كل ما في الأمر؟ بدافع الفضول، بدأت أقرأ عن الإسلام. في البداية شعرت بالخجل، لذا بحثت حتى في وضع خاص لأنني لم أرغب في أن تملأ مقاطع الفيديو الإسلامية توصياتي. شاهدت مقابلات مع معتنقي الإسلام، وقرأت عن النبي محمد ﷺ، وفي النهاية اشتريت ترجمة إنجليزية للقرآن. كنت أتوقع أن أجد أشياء لا معنى لها. بدلاً من ذلك، وجدت نفسي أسأل لماذا لم يشرح أحد الإسلام بهذه الطريقة من قبل. كلما تعلمت أكثر، شعرت بعدم الارتياح أكثر. ليس لأن الإسلام بدا غريباً، ولكن لأنه بدأ يصبح منطقياً. لم أكن خائفاً من أن يكون الإسلام زائفاً. كنت خائفاً من أن يكون صحيحاً، لأن ذلك يعني أن حياتي ستحتاج إلى تغيير. في يوم جمعة، دعاني سمير إلى المسجد. كدت ألغي ثلاث مرات. عندما وصلت، جلست في سيارتي لمدة عشرين دقيقة تقريباً أ pretending to check my phone. في النهاية، أخذت نفساً عميقاً ودخلت. لم يحدق بي أحد. لم يسألني أحد لماذا كنت هناك. ابتسم رجل مسن، صافحني، وقال: "أهلاً بك، أخي." لم أكن مسلماً بعد، لكن لسبب ما، بقيت هاتان الكلمتان معي طوال اليوم. بعد بضعة أسابيع، قلت الشهادة. كانت صوتي يرتجف. لا زالت لدي أسئلة. لا زالت لدي أشياء لأتعلمها. لكن في أعماقي، كنت أعلم أنني توقفت عن البحث. يسألني الناس أحياناً لماذا أصبحت مسلماً. لا أملك لحظة درامية واحدة أشير إليها. كانت مئة لحظة صغيرة وضعها الله في حياتي. زميل يغادر بهدوء للصلاة. أسئلة لا تترك ذهني. باب مسجد كنت متوتراً جداً للدخول من خلاله. لم أكن أبحث عن الإسلام. كنت فقط متعباً من الشعور بالفراغ. لكن الله كان يعرف ما كنت أبحث عنه حقاً قبل أن أعرفه.
في صباح رمضان في بيتنا الكبير في جاكرتا، كان الفجر يمر هادئا بين أصوات الميكروفر ومحركات أوجيك. كنت مريضة ذلك العام، سعال ثقل صدري وحُمّى خفيفة، وأمي تجهز بوبور أَيوم للمسحور بصوت منخفض كي لا توقظنا كُلية. حاولت أن أغمض عيني أكثر، لكن الآذان وصل من المسجد القريب، صوت المأذّن نحيل، وكأن الفجر نفسه يطرق نافذتي. جلست على حافة السرير، حرارة جسدي تعلو والبرد يعض مفاصلي، وضعت كفي على قلبي وقلت بصوت لم أكن أعرفه قويا، رب اهدني. لم أأتِ بهدية عظيمة، لم أر رؤيا، بل لحظة صغيرة: بخار الشاي على الطاولة، رائحة الكتان النظيف، ضوء المصباح على قبة المسجد يرى مني انعكاسه. حسّست أن الطريق واضح بشكل بسيط، خطوة بعد خطوة. لم أعدلاعتقاد أن عليّ أن أُبرم كل شيء بنفسي، بل ثقّت أن التوكل قد يكون أن أستريح، أن أقبل رعاية أمي، وأن أقسم نيتي لربي بصمت. في ذلك الفجر، هداية لم تكن إنارة مفاجئة، كانت دعوة هادئة للاعتماد على الله والناس معا.
كنت أظن أنني أعرف طعم الخيبة. التجارة تتقلب، والأرقام على شاشة الهاتف تقرأ كقضاء. في أحد الشتاء، بعد صفقة فشلت، عدت إلى البيت في الكويت وأذني تطن بصمت الخسارة. المنزل كان دافئًا، رائحة الهيل في القهوة تتسلل من المطبخ، وأمي تجلس بجانب نافذة تطل على النخيل. أبي لم يتكلّم كثيرًا، وضع كفه الخشنة على كتفي بصمت. لم أكن أستحقه، هكذا ظننت. ظللت ليلة لا أنام فيها، أكرر دعاء كنت أسمعه أيام الطفولة، اللهم اشفِ ما في صدري واهدِ قلبي.
كنت شابة أعمل في دكان البن في حارةٍ من حارات هَرَر، كنا نطحن الحبوب على نار صغيرة، ورائحتها تعلّق في ثيابي كأنها جزء مني. أحياناً، عندما كان البيُوت عُريّة من الطعام وطفلي يبكي، أضعُ قبضةً صغيرة من البن في جيبي، أعود بها للمنزل لأغليها للأطفال. لم أفكر أني آخذ شيئاً عظيماً، فقط ذرة تُسكت الجوع وتدفئ الفم. مرت السنين وأصبحت جدة لتسعة أحفاد. الدكان أغلق قبل سنوات، ورائحة البن بقيت ترن في الذاكرة. في ليلةٍ صحوت فيها من صلاة الفجر، وجدت نفسي أكرر دعاء الاستغفار، وسمعت في قلبي آيةٍ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا...» فشعرت بثقلٍ قديم. ذهبت إلى الرجل الذي كان يملك الدكان، وجدته جالساً قريباً من الدُّور القديم. اعترفت بكل شيء، ووضعتُ ما أدخرته على الطاولة. ظلّ يبتسم، أمسك يدي وقال لا بأس، لكن قلبي ارتاح أكثر عند فعلتي، عندما حركت اقدام الظلم إلى طريقٍ آخر. منذ ذلك اليوم، كلما غَلَت رائحة البن في البيت، أدعو بصوتٍ منخفضٍ: يا رب اغفر لي، واجعل عملي طاهراً. التوبة عندي صارت عمل يومي، وليست لحظة واحدة فقط.
حين توفي والدي، وجدت نفسي أركب المتاتوا من كايوغين إلى مسجد صغير في ناروباي وأنا أحمل مسبحته بين أصابعي. كان الجو رطبا، ورائحة الشاي الحلو تعبق في الهواء، والأرض مغبرة من مطلع الموسم. لم أكن أعرف إن كنت أسترد صلاة أو أهرب منها. تركت الصلاة في شهور الحزن، وكنت أعيش بنفاقٍ كالصوت خلف الباب، أقول الاستسلام لكن قلبي ممتلئ بالندم. في المسجد جلس رجل كبير السن يقرأ الآية التي أعرفها من طفولتي، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. صوتها انساب داخلني كالماء. سجدت، ووضع وجهي على البساط البارد، وصرت أقول، استغفر الله، اللهم اغفر لي. لم تكن كلمات منسقة، كانت رؤوس إبر تنفصل ببطء. هناك، في السجود، لم أحس بخوف من المستقبل. لم أعد أطلب شهادة البراءة. طلبت فقط أن يُمسح ما أثقل صدري. ثم رفعت وجهي ورأيت نور المصباح الخافت على وجهي، وشعرت أنني أسلمت ما لا أستطيع السيطرة عليه إلى يد رحيمة. كانت التوبة بسيطة، لكن أثرت أثرها في قلبي. بعدها عدت إلى البيت أضع مسبحة والدي في حقيبتي، وأعرف أني سأتحمل وأتوكل خطوة بخطوة.
اتصلوا بي في الثانية صباحا، والدكا تمطر بحماسة، والمطر يطرطق على سقف الأوتو. كانت نتيجة الامتحان مطبوعة على مكتبي، كلمة راسب بخط أسود، وفي جيبي بطاقة المستشفى. دخلت قسم العناية المركزة، ورائحة المطهر والأكسجين تملأ المكان، وضوء الفلوريسنت يرن كساعة لا تتوقف. كانت أمي صغيرة بين الأغطية، يدها ضئيلة كحبة مانجو. شعرت بتقصير، بالرسائل التي لم أقرأها، بالصلوات التي أجلتها حتى «بعد الامتحان». بعد الجنازة، في غرفتي الضيقة في السكن، أمطرت الشارع وصوت المعطر في المطبخ وصل من الطابق السفلي. جلست على سجاد صلاتي وفتحت كفي، قلت بضع كلمات بسيطة، «اللهم تقبل توبتي». تذكرت: إن الله يحب التوابين. لم تكن دموعي عرضية، كانت ترتيبا داخليا. حولت الندم إلى أعمال صغيرة، دعاء بعد الفجر، زيارة القبر بعد الظهر، وعد بالرد على كل مكالمة لا أجلها. النتيجة لم تختف، لكن شيء ما استقر. التوبة لم تغير الماضي، لكنها غيرت كيف أواجه الغد، وكيف أترك أثرا صغيرا لا يزول.
جلست على عتبة بيتنا في أبلاسي، والبحر أمامي يتلألأ تحت شمس الظهيرة، والهواء يحمل رائحة قهوة الصباح وملح المياه. كنت أفتح دفتر الدعاء كما أفعل كل مساء قبل النوم، صفحاته رقيقة والأحرف بها ثقل ما بين أمل وخجل. مررت على تدوينات السنوات الماضية، أدعية مكتوبة بخط متردد عن امتحانات، عن ضياع صلاة، عن كلمات نطقتها ثم ندمت عليها. وصلت إلى صفحة كتبتها بعد ليلة بكيت فيها دون أن أستطيع تمالك نفسي، دعوت فيها: ربّ أصلح قلبي وخلّصني من الاستسهال. لم أعد أتوقع جواب واضح، لكن حين نظرت، رأيت طلاً بسيطاً، ملاحظة صغيرة، جواب لم يكن كما تمنيت، لكنه كان كبلّة تطمئن. نهضت فجأة، حزمت كتبي ووضعت حقيبتي على ظهري، سرت في شارع صغير إلى المسجد المجاور لأصلي المغرب. الماء على وجهي من وضوء متعمد، الأرض لا تزال دافئة. لم تكن نهاية لمسألة، كانت بداية لطيف من التوبة، شفاء بطئ وصبر واضح، أثرٌ تركته دعوة كتبتها لنفسي.
في الشتاء الذي خرجت منه شركة صغيرة من حياتي، صرت أهرب صباحاً إلى البوسفور. أتذكر رائحة سمك مقلي ورغيف السميت الدافئ، صوت بائع الشاي وهو يصفر قبل أن يسكب، والملوحة التي تبلل المعطف كأنها تذكرني أن المدينة نفسها تتنفس. جلست على رصيف الميناء، ممتداً سجادة صغيرة، صلاتي القادمة مهيأة في قلبي أكثر من جسدي. صوت الأذان جاء من بعيد، متكسّرًا بين أمواج القوارب وأصوات النوارس. قلت بصوت خفيف، "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، وقلت بعدها دعاء لا أصل له سوى تنهيدة، "يا رب، ما لي إلا أنت". لم يحدث شيء خارق. لم تصل وظيفة من السماء، ولم تفتح أبواب في تلك اللحظة. لكن شيء صغر في صدري، كأن ثقلًا قد توقف عن الضغط. قبل أن أغادر، مدّ لي رجل عجوز كوب شاي، قال بعينين لا تحكمان، "توكل، يا بني، كله بيد الله". لم تكن نصيحة جديدة، لكنها كانت هداية جاءت في لحظة جاهزة للاستقبال. عدت عبر الجسر بخطوات أخف، ومعي يقين هادئ أن الطريق قد لا يكون مفروشًا، لكنه ليس وحيدًا.
أربعون عامًا مع المرضى علّمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء. لم يأت هذا الدرس بانتصار طبّي بقدر ما جاء حين فقدت أمل، زوجتي، وبعدها اكتشفت أن الخوف من الهجر أعنف من أي ألم جسدي. في صباحٍ مشحون بالكلور وصمت الأجهزة، دخلت قسم الطوارئ مريضًا بنوبة قلبية خفيفة. رائحة الشاي بالنعناع التي تصنعها الممرضة، صوت المروحة الخافت، وملمس ساق حفيدتي الصغيرة على يدي، أشياء صغيرة لكنها حقيقية. عندما هدأت الأنظمة قليلاً همست آية: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». لم تكن كلمات طبية؛ كانت بذرة ثقة. الجراحون فعلوا ما عليهم. لكن تحوّلي بدا في لحظة قصيرة بعد الظهر: وضعت سجادًا للصلاة بجانبي لتهدئة نفسي، أقمت صلاتي كأنها وعد، لا بدّ أن أُسلّم أمري. لم يحدث شيء درامي، لا معجزة مفاجئة، فقط هدوءٍ دخل جسدي وقلبي معًا. الطبيب الذي اعتاد أن يعالج الآخرين عرف أخيرًا أن الشفاء قد يكون قبلة هادئة على جبين الخوف، وأن التوكل أحيانًا هو الدواء الذي يكمل العلاج.
في غرفة الطبع التقليدية بجوار دار القرآن، حيث رائحة الشاي بالنعناع تلتصق بالحوائط، كنت أرتب مصاحف قديمة وأحاول أن أضم صوتي إلى أصوات الصغار. من فاس، أحفظ القرآن وأعلّمه، لكن بعد موت أبي شعرت أن دفتري اليومي قد فقد الصفحات. كنت أتيه في الصلاة ومواعيد الدروس، أقول اللهم اهدني بصوت خافت لا يطمئنني. ذات ليلة، كان العصفور الخارجي يقرع نافذة الحجرة، وفتى صغير يقرأ سورة الضحى ويعثر عند الآية، يقول بصوت صغير فَإِنَّ... ثم يصحح نفسه ويكمل، وكأن الكلمة تنطلق من حلقه لتستقر في قلبي. لم تكن هبة كبرى، كانت إشارة. خرجت بعد الدرس وجلست على السطح، برد الحجر يلسع قدميّ، وكررت الآية في سجودي حتى شعرت بنفَسٍ خفيف يربت على أكتافي. هداية بهذا الحجم لا تأتي كصاعقة، جاءت كقابض يد، كصبر يومي. عدت لتدريس الأطفال بأصواتي المكسورة، ومع كل تكرار، كل تصحيح، تركت أثراً صغيراً في قلبي، أثر جعل الحزن أقل ثقلاً وأعطى لأيامي اتجاهاً جديداً.
في أحد ليالي رمضان في كوناكري، كنت أمسك كوب ماء دافئ لأمي بينما كانت عيناها نصف مغمضتين والعرق يتصبب من جبينها. كُنْتُ ممرضة، لكن أمام سرير والدتي كنت بنتاً صغيرة تعيد ترتيب العالم بيدين ترتعشان أقل من قلبها. صوت مياه المطر على سطح الصفائح، وراديو صغير يهمس بتلاوة من القرآن في الخلفية، آيةٌ واحدة بقيت تدور في رأسي: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.، قلتها بلا تفنّن، كأنني أذكرها لها ولنفسي. بللت شفتَيها بمنديل مبلّل، ثم مسحت يدي بالرائحة المألوفة للزيت الأسود الذي تستعمله لتدليك رأسها منذ طفولتي. عندما وضعتُ الملعقة على شفتيها، أمسكت بيدِي فجأة وبسطت أصابعها حول إصبعي ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة منذ أيام. لم يَشفَ كل شيء بين ليلة وضحاها، لكن تلك القبضة كانت نقطة تحوّل: كلمةُ سكينةٍ من جسد هش، باركةٌ صغيرة في زمنٍ متعب. في الصباح التالي جلست أُصَلِّي، وأدعو أن يكون الشفاءُ أثراً يستمر، أثرٌ لا يمحى.
كنت أجلس على سجادة الصلاة فوق الخشب البارد في شقتي في روتردام، والمطر يطرق النافذة بنمط اعتيادي، كأن المدينة تتنفس بصوت منخفض. كان صدري ثقيلاً منذ الصباح، كلمة من الخلاف مع أخي عالقة في الحلق، وأخرى من الخوف عن المستقبل. وضعت يدي على الحافة المبعثرة لكتاب صغير من القرآن، حافة الصفحات مطوية من قراءاتي المتقطعة. لم أكن أنوي البكاء، فقط أردت أن أفرغ رأسًا ممتلئًا بأشياء لا تُحكى. سجدت، وجلست هكذا، أكرر دعاءً صغيرًا قالتها أمي مرة عبر الهاتف حين كنت شابًا مشوشًا. في السجود شعرت ببرودة السجادة على جبيني، وصوت المطر صار أقرب، وشيئًا داخل صدري بدأ يخف. تذكرت: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ. لم تحَل كلّ الأشياء فورًا، لم تُصافحني الإجابات، لكن انفتاح الصدر كان حقيقياً. بعد الصلاة اتصلت بأخي بصوت رقيق، لم نحل كل شيء في تلك المكالمة، لكني شعرت أن شيئًا ما التئم، بصمت، في بيتنا الصغير.
في إحدى الليالي المطيرة في قسم الطوارئ، بقيت رائحة الكلور تلاحقني بين الحجرات، والصوت الوحيد كان صفير المصل في القوارير. امرأة تدخل في وجهي بغضب بعد أن فشلت محاولاتنا مع والدها، قلت لها كلمات قاسية، عرفتها حين خرجت، لكن الغضب كان قد سبقني. جلست في سيارتي تحت نور الشارع الخافت، المطر يقرع سقف السيارة بجملة طقس، والراديو يقرأ بصوت رخيم: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ..." توقفت. الصوت كان كأنما طرق باب صدري. فتحت حقيبتي وأخرجت القرآن القديم، لم أفتحه بقصد بل لليّمة من الألم، ووجدتني أقرأ بصوت مرتعش: "لا تقنطوا من رحمة الله". نهضت، توضأت في دورة مياه القاعة الصغيرة، صلّيت ركعتين بطول إلى الله، قلت: "اللهم إني تائب". في الصباح ذهبت إلى بيت والدتي، ورائحة الملوخية في المطبخ كانت أول شيء يطبطب عليّ. جلست أمامها، قبلت يديها، اعتذرت عن أيام غفلتي. لم تكن كلمات المعالجة معقدة تلك اليوم، بل الرجوع الصادق، وكأن التوبة تركت أثرا خفيفا على صدري، أهدأني قبل أن أهدئ غيري.
لم أصدق أن آخر كلامي معه كان كلامي المتعجرف. كان رمضان، الشوارع في حي كاراكوي قد بدأت تضيء بخيوط الأضواء، ورائحة السميت تأخذني إلى نوافذ المحلات. قبل أيام من الصيام كنت قد شتمني لأنني لم أجب على مكالمته في وقتها. قلت أشياء بسرعة، ثم أغلقت الهاتف. بعد يومين جاء الخبر، لم يعد. لم أنم تلك الليلة، جلست بجانب النافذة أتابع ضوء المنارة ينعكس على مياه البوسفور. ثم فتحت المصحف وأيقنت أن الرحمة أقرب مما أظن. قرأت في قلبي قولا من القرآن، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ. بكيت بصوت منخفض، قلت اللهم اغفر له ولِي. خرجت إلى المقبرة قبل الفجر، الهواء بارد ورائحة الأرض رطبة، وقفت أمام قبره ولم أستطع أن أعدّ كلمات كفاية. فقلت توبة، توبة صادقة، وعاهدت نفسي أن لا أترك صمت الندم يحل محله السكوت. في رمضان تعلمت أن التوبة ليست كلمة تقال لمرة، هي فعل يبدأ بخطوة صغيرة، زيارة، دعاء، وعد بالثبات.
رمضان الماضي، كنت أخرج من صلاة التراويح في مسجد الحي، والليل رطب برائحة المسك وقهوة السحور. قبل عام كان أبي لا يزال في البيت، يترك أثره في كل زاوية، طقم سبحته على طاولة القهوة، رائحة العود على ثوب الفجر، وصوت دعائه الخافت قبل الفجر. كنت أعمل في التعليم، وأعطي الصفوف كل وقتي. أتذكر صباحا واحدا، ضغطت يده الرفيعة على كتفي وقال بهدوء، تعال نصلي الفجر معاً. أجلته، ثم أجلته، حتى رحل. بعد الدفن بقيت أشتكي لفراغٍ لا يُملأ. في الصلاة تلك الليلة، أثناء تلاوة الإمام، شعرت بأنني أعود إلى نقطة صغيرة داخل صدري، نقطة تحمل كل تأخيري عنه. خرجت إلى الشارع الهادئ، عدت إلى البيت، جلست على سجادته، لمسه كان بارداً، لكن سبحته كانت دافئة، كما لو أنه تركها للتو. عندها قلت بصوت مسموع دون ترتيب، يا رب اغفر لي، وإني أسألك التوبة الصادقة. لم تكن كلمات مناجاة فحسب، بل قرارٌ أن أترك ما ضيعت من لينٍ ووقت. خلال رمضان بدأت أستيقظ مبكراً، أدعو في سجودي، أزور قبره وأتصل بأمي أكثر. أثر التوبة لم يمحِ الماضي، لكنه جعل صباحاتي تحمل اسمه.
في روتردام، بعد يوم طويل من المقابلات المهتزة وزيارات الوكالات، عدت إلى شقتنا الصغيرة الواقعة قرب محطّة بلاك. كانت الأرضية باردة تحت قدميّ، ورائحة القهوة القديمة ما زالت في المطبخ، وشال نور مطروح على ظهر الكرسي. كنت على حافة قرار، لم أكن واثقًا من دعوة التقدم للزواج أو من قدر الله في الرزق. جلست لأداء صلاة الفجر متأخرا، وفي السجدة الأولى شعرت ببرود البلاط تحت جبيني. وضعت جبهتي على الأرض وخفت الصوت، قلت بهمس بسيط، اللهم اهْدِني. لم تكن كلمات منظمة، كانت شيئًا مثل استسلام رقيق. تذكرت آية صارت مألوفة في ليلتي، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وشعرت بأن الهدى ليس انفراجًا ضوئيا، بل يدا تهز قلبي بلطف. في الأيام التالية جاء اتصال من جهة عمل، عرض صغير لكنه كريم بما يكفي، ونور وافقت أن نحدد موعد الخطبة دون ضغط. لم تُنْهي تلك السجدة كل أسئلتي، لكنها تركت أثرًا. أحيانًا الهداية لا تكسر الشك فجأة، لكنها تزرع يقيناً صغيراً يكبر مع كل خطوة، ويُعلمك أن الرزق والزواج يمكن أن يأتيا في أطر لم أتوقَّعها.
في أحد ليالي بيروت الممطرة، كنت أجلس في مكتب الأخبار وحدي؛ ضوء الفلوريسنت يزمجر، وطابعة تخرُّ من وقت لآخر، ومذاق قهوة قديمة على مكتبي. العمل استهلك سنواتي: تغطية، مواعيد نهائية، تنازلات صغيرة جعلتني أتجاهل الصلوات حتى اعتادت ذاكرتي غيابها. هاتف أمي رنّ فجأة، صوتها هادئ كما لو أن المطر لم يغسل كلّ شيء، قالت: "صلي يا رانية، قلّي ما بدّي إلا سلامة قلبك". لم يكن سؤالًا واعظًا، بل تذكيرًا بعينٍ تعرفني منذ الطفولة. وقفتُ، ذهبت إلى حوض بلاستيكي بجانب ماكينة القهوة، الماء كان بارداً وكاشفاً، ووضوء سريع أتى مع ارتجاف اليدين. تذكرت دعاء أمي البسيط: "اللهم استرها"، وقلتُ بين الشفتين: "أستغفر الله". ركعتان لم يأخذهما أحد إلا أنا؛ الأرض الباردة تحت قدمي كانت صادقة، وسجودي الأول فيها لم يحمل كلمات عظيمة، بل نية صادقة: توبة. عندما انتهيت، شعرتُ بأن داخلي قد تراجع بعد رحلة طويلة من الخذلان، وأن شيئًا صغيرًا من الهدوء عاد. في صباح اليوم التالي، اتصل والدي يسأل عن النوم؛ لم أخبره بالتغير الكبير، لكني عرفت أنني بدأت أترك أثراً جديداً في قلبي، ببطء ومثابرة.
كنت أعمل في ورشة صغيرة خلف مكتبة قديمة في باشتشارشي، حيث تزدحم الشوارع بالتراب ورائحة القهوة المغلية في فجر بارد. طالما اعتبرت عملي تصليح الكتب عملاً عادياً، حتى ذلك المساء الذي كدت أن أترك فيه كل شيء لصالح وظيفة مكتبية ثابتة، مقابل أمان مادي كنت أفتقده بعد سنوات الحرب. كان الجو مليئاً بالغراء والغبار، وطرقت أصابع الكتاب المثقوب في يدي، وجدت قبلية مدفوعة بين الصفحات. ورقة صغيرة مطوية، خط يد طفل وكتابة بسيطة: "يا رب اهدني"، وتاريخ مكتوب بخط متعرج من عام 1996. رفعت رأسي فسمعت أذان العشاء يأتي من مآذن المدينة، الصوت يتسلل إلى الورشة عبر نافذة نصف مكسورة. تذكرت آية كانت ترد في داخلي دائما، إنا مع العسر يسرا. لم تكن لحظة تغيير دراماتيكية، لكنها كانت هادئة، كنور يدخل عبر شق في جدار. جلست، دعوت، ثم عدت إلى عملي. شعرت بثقة مختلفة، اعتماد على الله في رزقي، والعمل كطريق للهداية، لا مجرد وسيلة للعيش. ألصقت تلك الورقة على طاولتي. أراها كل صباح، تذكرني أن الهداية قد تأتي بين صفحات مهملة، وأن أثرها يبقى.
كثير من أيامي في إسطنبول تبدأ بصخب الشوارع ورائحة السمك المشوي، ثم مكتب مضاء بأضواء فلوريسنت ومهام تتكاثر. كنت أعمل ساعات طويلة حتى غابت عني صلاة الصبح أحيانًا، وعادت أثقال على صدري لا أعرف سببها. في صباح خريفي واحد، ركبت العبّارة إلى كاراكوي لأنني أردت مجرد أن أخرج من نفس الدائرة. جلست قرب النافذة، البخار على الزجاج، صوت محرك العبّارة، ورائحة الشاي على المقعد المجاور. سمعت الأذان يقطع الضجيج، لم أكن مخططًا للصلاة هناك، لكني قلت بصوت خفيف، "اهدنا الصراط المستقيم". لم تكن كلمات جديدة، لكنها وقفت في صدري كإضاءة صغيرة. لم أقلق على المستقبل ولا على المشروع المتأخر، فقط قلت لنفسي إن علي أن أسمع هذا النداء. نزلت من العبّارة وذهبت إلى مسجد صغير، ركعتان لم أكن أتوقع أنهما ستغيران شيئًا. القرار التالي لم يكن كبيرًا، فقط قلت لمديري إنني أحتاج وقتًا لأرتب أموري. بدأت أمشي على البوسفور بعد العمل، أخذت معي كوب شاي، وعدت لصلاة الفجر. الروتين الصغير هذا لم يحل كل شيء، لكنه كان بداية شفاء. هدية الهداية كانت أنها لم تفرض علي طريقًا، بل أشعلت مصباحًا صغيرًا يمكنني أن أمشي نحوه.
يوم دفننا والدي، جلست في فناء البيت القديم، أتابع حركة الغبار تحت نور المصباح. كان الصوت الوحيد هو خطوات الجيران والأذان البعيد، وكنت أقول بيني وبين نفسي إنا لله وإنا إليه راجعون. لم أكن أعرف متى توقفت قلبي عن الانتفاض، لكني شعرت بأن شيئاً ثابتاً بداخلي ينهار ويعاد بناؤه بطريقةٍ بطيئة. بعد أسابيع وجدت المقعد الخشبي الذي صنعه والدي قبل سنوات، نصفه مكسور، الطلاء متقشراً ورائحة الزيت الحار لا تزال عليه. أخذت أدواتي، وجلست على الأرض بجانبه. كان الهواء يحمل رائحة الليمون من سلة تنظيف جارتنا، وصوت نافذة تُفتح ثم تُغلق. كل مسمارٍ وضعتُه كان تذكيراً بيدٍ علمتني كيف أصمت عندما تكون الكلمات قليلة. بين لقمات خشب ونقطة من الغراء، ضحكت فجأة. لم تكن ضحكة فرح، كانت قبولاً. دعوتُ: اللهم تقبل وتجاوز، ثم وضعت يدي على المقعد واستندت. المقعد حمل وزني، وحملت أنا فقدي بطريقة أخف. شعرت بأن الشفاء ليس قفزاً بعيداً عن الحزن، بل بناء بيت صغير بداخلي بدعاء قبل الحجر.
كانت رائحة المطهر تختلط برطوبة ليل كوناكري، وأنا أنهِ نوبة في المستشفى، متعبة إلى حدٍّ يجعلني أعدُّ خطواتي إلى شقتنا كنعمة. فتحت الباب، ورأيت أمي فاتو جالسة على الكرسي، راديو صغير يهمس بالقرآن، صوت السورة يملأ الغرفة كغبار نور. كانت تتنفس بصعوبة، صدرها يشتغل، واحترت: هل أستدعي سيارة إسعاف أم أؤمن لها nebulizer الذي أحمله في حقيبتي من العمل؟ لم أحدث قرار، شعرت بهداية بسيطة تتسلل إلى قلبي. جلست بجانبها، وضعت يدي على صدرها، قيّمت التنفس، ثم همست بدعاء قصير، ذاك الذي علمني إياه أبي عند كل موقف: ربي اشْفِها. لم أقرأ بروتوكول كامل، بل قرأت مع أمي آية واحدة بصوت ضعيف، إن مع العسر يسرا. هدأت قبل أن تبرد بشرتها تحت كفي. ذلك المساء لم يكن اختراع دواء جديد، كان قرار الحضور، أن أكون ابنتها الممرضة والابنة معًا. شعرت أن الهداية كانت في البساطة، في أن أترك السجل الطبي جانبًا، وأن أؤمن للحظات بالشفاء الذي يمر عبر لمسة وصلاة وقرآن.
البيت في مانشستر كان رطباً من المطر وريح الشارع، ورائحة شاي ماما تختلط بزيت المحرك من غرفة أبي. مرت ثلاثة أشهر على دفنه، وكنت أمسّ سجاد غرفته بلا مبالاة حتى شعرت بأن قطعة قماش صغيرة بين طيّاتها رائحة يديه. جلست على الكرسي المصقول، وفتح قلبي كما تُفتح نافذة بعد شتاء طويل. قبل أن أعرف الإسلام في 2019، كنت أخاف من كلمات لم أقلها، الآن الصلاة تبدو لي مكاناً للوقوف وحيداً ثمّ ليس وحيداً. غسلت يديين في الحوض القديم، ثم صليت ركعتين، لم أخطب، فقط دعوتُ: يا رب ارحمه، وذكرْتُ آيةٍ جاءتني في سكون الصلاة، إن مع العسر يسرا. لم تكن المعجزة انفجاراً، بل صوت أمّي عبر الهاتف تقول بصوت مختنق: لم أتخذ وقتاً كافياً، أنا آسفة. التئم شيء ببطء. لم تختفِ الخسارة، لكن شعرت أن أثراً قد وُضع، أثرٌ صغير من صبر ودعاء ومسامحة. خرجت من البيت والشارع لامع، وأخذت معي رائحة الشاي على معصمي، وتذكرت أن الشفاء لا يعلن نفسه، بل يترك أثراً.
كنت سائق شاحنة لسنوات طويلة، الطريق علمني صوت الراديو والذكر، ولون فجر الجزائر من مرآة الزجاج. في ليلة ممطرة عند موقف استراحة خارج بجاية، توقفت لشرب شاي، رائحة المازوت تتسلل عبر النافذة، والمقاعد الجلدية بارده من المطر. قدم إلي شاب مهترئ، قال لي بصوت مرتعش إنه حديث عهد بالإسلام، ترك كل شيء وجاء يبحث عن صلاة ومكان يثبت فيه. وضعت له بطانية من سيارة النوم وصنعت له شاي بالنعناع، هو فتح كتاب صغير للقرآن وكان يرتعش حين قرأ. جلستُ أصغي أكثر مما كنت أتكلم، ثم دعوت له بصوت منخفض، قلت هذه الآية في قلبي، «فإن مع العسر يسرا»، قلت اللهم اهدِ وارفع عنه شدة الشك. لم يكن ثورة ولا لحظة نور مكشوف، بل صوت المطر يتوقف فجأة، وسكون داخل الكبينة، ودموع هادئة تبلل صفحات الكتاب. حينها شعرت بهدية صغيرة تحدثت منّي، سردت له كيف كانت الصلوات في الطريق تداويني من الوحدة والغضب. لم أكن أعلّم، بل كنت مشاركًا في شفاء، وعرفت أن الهداية قد تمر من خلال شاحنة قديمة ورائحة شاي.
كنت مهندسًا في موقع بناء في القاهرة، أعمل حتى آخر زفرة من النهار لأننا بحاجة لتسليم مخطط. في ليلة ممطرة، رائحة الأسمنت المبلل والديزل امتزجت بصوت مولد بعيد. ارتكبت خطأ في حساب لعمود، خطأ بدا صغيرًا حتى بدأ الجدار يتشقق في الصباح. ضربتني الدهشة أولًا، ثم شعور بالذنب كما لو أن ثِقَلًا يجلس على صدري. تذكرت قول أبي، الذي كان دائمًا يكرر لي أن الرزق لا تأتي به العجلة. جلست على ركن الموقع، ويدي ما تزال عليها آثار الغبار، وفتحت هاتفي لآية قرأتها بسرعة في المسجد قبل قليل. رنّت في أذني آية، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، وكانت كالماء على جذع يابس. حضرتني التوبة فعلًا، لم تكن كلمات جاهزة، كانت قرارًا أن أعترف بالخطأ وأصلحه. دققت الحسابات مع الفريق، بقيت في الموقع حتى هدأت الشروخ، ووضعت خطة لإعادة السلامة. عندما عدت إلى البيت، وجدت زوجتي قد غمّرتني بكوب شاي دون كلام، عينها تقول لي ما عجزت الشفاه عن قوله. لم تختفِ أخطائي بين لحظة وضحاها، لكن قلبًا صغيرًا من التواضع، ودعاء ليلة فجر، كان كافياً لبدء طريق مختلف. التوبة كانت أثراً تركته في عملي وفي صدري، أثر يذكرني أن الرجوع ممكن، وأن الرحمة أقرب مما أظن.
في الليل، بعد أن نامت الشقق كلها في العمارة المطلة على شارع ماي ماتاتو في نيروبي، جلست على الأرض وحولي ركام الخيوط والوشاح الذي لم أضعه منذ الرحيل. كانت رائحة الشاي بالهيل تتصاعد من غلاية صغيرة على الموقد، وصوت المذيع يقطع السكون من راديو في الشقة المقابلة، يتلو آيات من سورة الشرح. رفعت المصحف الصغير الذي ورثته من أمي، جلده طري من الاستعمال، وحافة صفحاته سودت بأصابعها. همست آية، إن مع العسر يسرا، وكل حرف بدا له وزن على صدري المكتوم. لم أكن أبحث عن إجابات، فقط عن دفء يثبت أنني لا زلت أتنفس بعد كل ما انتهى. قمت لأغتسل، الماء البارد على يديين، ثم على وجهي، صوت الماء كصلاة قصيرة. ركعت ثم سجدت، ولم يكن السجود حلما، بل لحظة بسيطة حيث شعرت أن ذاك الخيط القديم من الأمان يعود لي، شيء كفّ على قلبي. في الصباح، عندما وصلتها رسالة من صديقتي عائشة تقول فقط، "أنا هنا"، لم تنتهِ الجراح، لكنني فهمت أن الشفاء أحيانًا يبدأ بصوت قرآن، بكوب شاي، وبوجود قريب يحبك بلا شروط.
في ليلة اشتد فيها البرد فوق سراييفو، خرجت من البيت بعد مشاجرة مع ليلى حول المال والخوف من الرزق. الشوارع كانت مغبرة بالثلج، ورائحة القهوة من كشك قديم تلوح بين المباني، وصوت صفارات الترام يتكرر كنبض المدينة. جلست على كرسي حجري قرب نهر ميلجاكا، وسمعت الأذان من مآذنة بعيدة، شعرت بتيار يمر في صدري، تذكرت آية سمعتها في مسجد في طفولتي، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، وتأكدت أنني أسرفت في الكبرياء لا في العمل فقط. لم تكن توبتي كلمات مصقولة، بل لحظة يبادرني فيها قلبي لأدعو بهدوء، اللهم اغفر. رجعت إلى البيت قبل أن تبرق في الشوارع الأنوار، فتحت الباب، وجدت إبريق الشاي يغلي وأنفاس ليلى على الوسادة، ورقة صغيرة عليها كلمة واحدة، سامحني. جلست على سجادة الصالة، ركعت ركعتين بدون توقع، ثم استدرت إليها وأخبرتها أنني سأبحث عن رزق وإصلاح، لكن قبل كل شيء سأبقي مكاننا آمناً. تبسمت وعانقتني كما تعانق المدينة وقت المطر، ومعها شعرت أن التوبة كانت بسيطة لكنها تركت أثراً حقيقياً.
ثلاثون عاماً من البحث لم تكن كلها مسيرة طويلة وواضحة. كانت تتخللها لحظات صغيرة، كتاب قرأته في مقهى، ليل طويل مع طفل مريض، أغنية سمعتها صدفة في الراديو، لكنها لم تكن هداية، بل أشياء تشبه طرق فرعية. كنت في الممر الخلفي للمستشفى بعد دفن أمي، ألبس سترةٍ لم تعد دافئة من رائحة الصابون والحرارة. رجعنا إلى شقتي الصغيرة قبل منتصف الليل، والأطفال نائمون بوجوههم على وسادة واحدة. وضعت فنجان الشاي على الطاولة؛ البخار ارتفع ببطء. شغلت تسجيلاتٍ في هاتفي، واحدٌ منها قرأتُ فيه: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب". سمعت الجملة كالنبضة. لم يحدث انفجار روحي، بل صوت خفيف تحت وقع خطواتي: لمَ لا أجرب؟ فتحت المصحف للمرة الأولى بجديةٍ، لم لأُحكم عقيدة، بل لأعرف إن كانت هذه الكلمات ستبقى. دخلت يدي على صدري كما كنت أفعل عندما أطلب الطمأنينة من والدتي. همست التوحيد بصوتٍ لم يتعمد الصراخ: "لا إله إلا الله". لم تنتهِ الخسارة، ولم تُحل كل الأسئلة، لكن شيئاً توقف عن الترقب. صلّيتُ حينها صلاةً بعينٍ نصف مغمضة، ودعوتُ بدعاءٍ بسيط: "اللهم اهدني". في الصباح تبخرت رائحة الشاي، ووجدتُ نفسي أصلي الفجر مع أول شعاع ضوء، وأطفالٌ يضحكون في المطبخ. الهداية لم تُسرق منّي، بل استقرّت خطوة بخطوة.
لم أنسَ ظهر يومٍ في أغسطس، وأنا أتسلق سلم السطح في بيتنا القديم بالقاهرة، حقيبة أدواتي مرهقة مثل نفسي. مشروع مهم فشل قبل أسبوع، وكان القلق يسكن معدتي. والدي قال لي طول عمري، الرزق لا تأتي به العجلة. لم أصدقه حينها، لكنه قالها بهدوء، وبنبرة حكيتنا عن السنين. المضخة كانت تصدر طنيناً معدنيًا، رائحة الزيت تملأ الهواء، والغبار على يدي أذكرني بسنين العمل. جلستُ على سجادة صغيرة عند فتحة السطح، جاءني صوت الآذان من المسجد المجاور، ركعتان ظهرتا كأنهما مرهم. قلتُ دعاءً بسيطًا، لم يكن شعراً من كلمات مصقولة، فقط يا رب اذكرني أن أتنفس. تذكرت آية من القرآن، فإن مع العسر يسرا، ولم تكن مجرد وعد، بل فاصل صغير في اليوم. أصلحت وصلةً لم أكن انتبه لها، المسمار الصغير كان سبب الطنين. عندما اشتغلت المضخة، انخفض الضغط من صدري، كأن شيئًا داخليًا صُلح. لم أتلق معجزة، تلقيت هداية صغيرة، وامتنانًا طاهرًا قلبت أموري ببساطة. شربت شاي بالنعناع، وشعرت أن الشفاء لم يكن خطوة واحدة، بل مجموعة لحظات صامتة تعلمت فيها كيف أكون شاكرًا.
الضوء الفلوري فوق السرير يهتز بصوت منخفض، والهواء لزج من نافذة مطبخة في الطابق الثالث. كنت أصارع حمى لم أتعلم كيف أميتها، جسدي يذكرني بكل صلاة فاتت وأنا أعقد اللسان أعذارًا عند باب المسجد. وصلوني إلى كونوت عندما لم أعد أقوى على المشي، وبقيت أمضي الليالي أستمع إلى مذيع الراديو يتلو آيات عن رحمة الله، والعبارة التي بقيت في رأسي، يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. أمي كانت تنظف جبيني بقطعة قماش مبللة، ورائحة الأرز المطبوخ تملأ الغرفة. قبل الفجر استيقظت وطلبت ماء للوضوء، طعمه كان معدنيًا لكن ممارستي للوضوء كانت أشد مني، كل حركة كانت اعترافًا. ركعتُ والسجود كان أول كلام ناطق منّي منذ أسابيع، قلت توبة بلا تكلف، قلت أسفت، قلت أحتاجك. لم يتغير كل شيء في صباح واحد، لكن حين فتح الجار الباب بعد صلاة الفجر ومعه ظرف فيه بعض المال وقصاصة تقول إن هناك عمل بسيط قد يكون مناسبًا لي، شعرت أن شيئًا قد صار أثراً. لم تكن تلك اللحظة تخلصًا من كل الهموم، لكنها كانت بداية توبة جعلت خطاي تبدو أقل ثقلًا، ورزقًا يظهر بخطوات صغيرة من كل من حولي.
كنت أقف في ردهة مستشفى ماسستاد في روتردام، المعطف لا يزال مبللاً من المطر، ورائحة المعقم تطغى على رائحة القهوة من آلة قريبة. فقدت أمي قبل سنة، ووالدي دخل المستشفى بعد تشخيص المرض. كل شيء بدا رسميا وصارماً، أوراق، أطباء، أرقام غرف. في الداخل كان قلقي أكبر من أي سطر في تلك الأوراق. جلست على كرسي بلاستيكي، الهاتف بين يدي يكرر تلاوة خافتة. لم أصَلِّ بانتظام منذ شهور، لم أكن أشعر أنني أستحق ذلك. ثم شعرت بخفقة في صدري، بغصة لا أستطيع تحديد مصدرها، فنهضت وقصرت الطريق إلى مصلى صغير، بساط صلاة رقيق على أرضية باردة. سجدت، وقمت أقول أستغفر الله بصوت منخفض ثم ببطء صار الكلام يتحول إلى استسلام. لم تكن كلمات بثينة، كانت همسات مكسورة، تكررت حتى شعرت بسلامٍ خفيف يدخل من رقبتي إلى صدري. تذكرت الآية التي تقول إن الله يحب التوابين، ولم أعد أعرف إن كان ما أشعر به فرحا أم ارتياحا، لكني علمت أنني وصلت. غادرت المصلى وأمي مجسدة في صورتي القديمة، ووالدي ينظر من غرفته بعينين أضعف، ومع ذلك كان شيء في صايعي مختلفاً. لم تختفِ الخسارة ولا المرض، لكن السجدة تركت أثرها، بسيط وحقيقي، كالندى على الزجاج في صباح روتردام.
1 د·2 months ago
90
هل لديك قصة تنتمي إلى هذه المجموعة؟ شاركها مع من يبحث عن أثرٍ يشبه أثرك.