أذكر رمضان الأول الذي شعرت فيه بأن الصيام أصبح خفيفا وحلو المذاق. كنت أعود من المدرسة الهادئة في ضوء المساء، الدراسية في حقيبتي، وقراءة صغيرة من القرآن في بالي تكررت طوال النهار. الهواء في لاھور كان يحمل رائحة بصل مقلي وبهارات، وحين نزلت إلى زقاقنا رأيت الأطفال يركضون حاملين أطباقا صغيرة للجار المسن. كانت صورة بسيطة، لكنها شعرتني بأن الرزق ليس فقط ما نأكله،…
كنتُ واقفةً على شرفة بيت جدتي في مانغشورو، والهواء ملحٌ ودافئ، يحمل رائحة السمك المشوي وحبات حبهان من قدرٍ في الداخل. كان ذلك المساء ثقيلاً مثل جسمٍ تعب من حمل سنةٍ كاملة: فقدتُ عملاً، وتباعدتُ عن صديقةٍ لها عمرٌ من الود، وشعرتُ أن قلبي صار خانقاً. المؤذّن ناداني من بعيد، ثم انطفأت أصوات السوق وغطّى الأفق لون برتقالي باهت.
لم أردُ دعاءً كبيراً. جلستُ على الس…
كان الهواء في قاعة الجمعية مشبعًا برائحة الشاي والقهوة والهيل. كانت مطرية مانشستر تصفق على النوافذ بصوت هادئ، والبطانيات الملفوفة على المقاعد تصدر صوتًا خفيفًا كلما تحركت قدم. منذ أن اعتنقت الإسلام في مانشستر عام 2019، رأيت لحظات كثيرة تحمل قدسيتها، لكن يوم النكاح هذا كان مختلفًا.
جلسنا في دائرة صغيرة، الحضور أحبةٍ من المسجد وجيران قد أصبحوا عائلة. الإمام ن…
في صباح من صباحات هرر، استيقظتُ بثقل في الصدر، أضعف من أن أصعد إلى السوق لبيع التقايا المطرزة بيدي. التسعة أحفادي ينتظرون خبزة، والميزان في البيت فارغ تقريباً. جلستُ على العتبة حيث تشرب الشمسُ جدار الطين، وفتحت المصحف لأقرأ شيئاً يهدئ القلب. لامستُ الآية بصوتٍ خافت، "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، ثم تكررت في رأسي كما لو كانت دعاءً قديمًا لأمٍّ في العائلة.…
أنا من فاس. أحفظ القرآن وأعلّمه للصغار، وأكتب عن الآيات التي غيّرت أيامي. كانت ليلة ثقيلة، قلق عن أمور بسيطة حول بيتنا وشيء من استنزاف الكلمات بيني وبين يوسف. نمت بغيرة من صمت الكلام، واستيقظت مع بزوغ الفجر لأنام مرة أخرى لم أستطع.
ذهبت إلى السطح لأصلي ركعتين، والهواء يحمل رائحة النعناع من ساحة الجيران، وصوت الأذان يمر يربت على الحائط القديم. تذكرت الآية الت…
كبرت متنقلة بين مقديشو ونيروبي، حيث رائحة الشاي المملح والبحر تختلط مع ضوء الصباح. يوم استلمنا مفتاح بيتنا الصغير، شعرت كأنني أحمل معه قصص سنوات طوال. الباب فتح، والهواء الداخل كان دافئاً من الشمس، ورائحة الطلاء الجديد خفيفة كما لو أن المنزل يخبرنا ابتدأنا الآن.
فرشت سجادة الصلاة بالقرب من النافذة، شعرت بحرارة البلاط تحت قدميّ، ورائحة الداودار تذكّرني بمطبخ…
أربعون عامًا مع المرضى علمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء، لكن لم أدرك عمق الشكر إلا عندما أصبحت أنا من يسهر بجوار مريضة. كانت فاطمة على السرير في غرفة صغيرة بإيجار الشقة، رائحة المطهر تختلط برائحة الشاي البارد، ومقياس الحرارة يهمس بأرقام لم ألفها من قبل من جانب زوجي.
جلستُ أمامها مثل طبيب قديم وأصغر، أقرع معصمي لقياس النبض لا لأنني لا أعلم كيفية ال…
ليلة مطر في كوناكري، والناقوس الخفيف للمستشفى يرن في أذني كما يرن عندي صوت الآذان من بعيد. أمي، عائشة، جالسة على السرير، وجهها ضيق لكن عينها لا تزال تعرفني. كوني ممرضة جعلتني أقرأ المؤشرات بسرعة، لكن ابنة جعلتني أقرأها ببطء، ملمس جلدها تحت كفي، رفة حاجب تعب، نفس يغطيه رائحة صابون المانجو الذي أحضرتُه لها من السوق.
أغسل شعرها بماء دافئ، وأسمعها تهمس الحمد لله…
رمضان كان حديث المدينة، والنوافذ تفتح على دكان صغير تفوح منه قهوة الهال. كنت أعود إلى شقتنا في الخليل بعد يوم بلا عمل، وأضع المصحف على الطاولة الخشبية التي فاتتها طبقات الدهان. في الليالي التي تلت، بعد التراويح، كنت أصعد إلى السطح، أجلس على سجادة قديمة، وأفتح المصحف حيث توقفت. صوت المؤذن من جهة الحارة الأخرى يلتف مع نسيم الليل، ورائحة الياسمين تدخل من شرفة ا…
كنت إمامَ مسجدٍ صغيرٍ في حيٍّ من أحياء الخرطوم حيث تُصنَعُ القصصُ من فنجانِ قهوةٍ أسودَ ورائحةِ الكركدي عند الإفطار. في رمضان، بعد التراويح، أبقى وحيدًا أطلب من الله ما أخاف أن أعلنه بصوتٍ أعلى: شفاءُ أبي، توبتي التي أتنصّلُ منها طوالَ العام، وقسمٌ صغيرٌ من الرزق ليومٍ لا أُحمِلُ فيه أحدًا على ظهري.
جلستُ على السجادة، لمستُ خيوطها الخشنة بيدي، وشعرتُ ببرودةِ…
وقفت هناك لبعض الوقت أراقب غروب الشمس يتسلل من خلال المسجد.
لا تسرع، لا أفكر في ما يجب أن أفعله بعد ذلك. مجرد لحظة هادئة قبل الصلاة.
أحيانًا لا تحتاج إلى تذكير كبير. تحتاج فقط إلى بضع دقائق لتبطئ وتدرك كم لديك بالفعل.
مكان للصلاة. يوم آخر. غروب شمس آخر.
الحمد لله 🤲
كنت أستقبل الفجر من شرفة بيتنا الصغير في مومباسا، المطر يقرع على الصفيح برفق، ورائحة الهيل في إبريق الشاي تغطي الزنقة. محمد خرج مبكرا للعمل، ترك لي فنجانين على الطاولة كما يفعل دائمًا، أحدهما بارد قليلا كما تحب أمي أن تقول إن القهوة لا ترى النار كي تغني.
صليت الفجر بهدوء، ثم جلست. جاءني تذكّر آية كنت أرددها كطفلة، «إن شكرتم لأزيدنكم». لم يكن مجرد كلام، بل وع…
أنا حليمة يوسف من حرار، وجدّة لتسعة أحفاد. قبل عامين جلست على سريري لا أستطيع أن أتنفّس بسهولة؛ السعال يسرق صوتي وكأن الأزقّة الحجرية التشية في المدينة تقفل فمي. جاءت الأيام ببطء: أدوية، مرّات زيارة للطبيب، ويد حفيدي الصغير وهو يضع مصحفًا باليًا على حجري. كانت الحروف مطموسة من كثرة القراءة، ورائحتها تذكرني ببنّنا في الصباحات. همسَ وبدأ يتلو: «وَإِذَا مَرِضْت…
كنت أسوق الشاحنة بين وهران والجزائر العاصمة حين توقف الموتور فجأة على طريق ريفي ضيق. كان الصيف لاصقًا، ورائحة المازوت تعلقت بقبضتي المتشققتين. أنزلت السجاد الصغير من خلف المقعد، فرشته على رصيف حجرٍ مجاور وأخرجت مصحفي، كعادة سنوات الطريق الطويل الذي علمني الذكر والرضا بالمكتوب.
جاء رجل من القرية المجاورة بحمل ماء وعلبة شاي. جلسنا على طرف الطريق، صوت رنين صحن…
في الشتاء التالي لترك فناء أبي، كان الثلج يهدأ على الأسقف المعدنية حين علمت معنى الرزق. غرفتنا الصغيرة كانت تفوح برائحة الشاي القديم وصوف مبلل. كان لدي ثلاث قطع نقد فقط، وسعال خفيف عند طفلي، وذهن مثقل بالخسارة التي ما زلت أحملها في جيبي.
أمسكت معطفي لأغلق الباب، فلمحت كيس بلاستيكي مهترئ موضوعاً على العتبة. صوت أذان خفيف ارتفع من فوق، ويدي تلتقط الكيس ببطء، ل…
كنت أعود إلى البيت على كورنيش صور، البحر يطرق الحجارة بصوتٍ منخفض، والهواء مشبع برائحة قهوة الصباح وملح. قبل أسابيع فقدت عملي في الجريدة، ورائحة الحبر التي كانت تلازمني صارت تذكرني بما فات. جلست على مقعد خشبي، ثلث الليل قد انقضى، وكانت المدينة نائمة إلا من بعض السيارات المارة. لم أرد أن أقول كلمات كبيرة، فقط ذلك الدعاء الذي سمعتها من صديقة جديدة، امرأة غيّرت…
كنت قد تركت الصحافة قبل سنة، رغبة في بداية أخرى، لكن الحسابات لم تهدأ. في إحدى ليالي بيروت المطرية، جلست في المطبخ وأمي تصب الشاي، رائحة الهيل تعبق، والملفات المعلقة على كرسي الطعام كأنها تهمس بآجلات فواتير. شعرت بخجل أمام والدَي، هما اللذان لم يفتا صلاة منذ زمن، وأنا التي أمطرت عملي قبل أن أرتب صلاتي.
بعد المغرب خرجت وحدي إلى الجامع القريب، لم أكن أحتاج إلى…
أذكر رمضان الأول بعد أن فقدت عملي. كنت قد قبلت الإسلام في مانشستر عام 2019، ولم تزل الوحدة تلاحقني، خاصة عند غروب الشمس. أمطرت الشوارع، ومعطفي لا يكاد يحمي من برودة المساء، وكنت أسير إلى المركز الصغير للصلاة باحثا عن ذرة صحبة لإفطار صامت.
عند الباب وقفت ألتقط أنفاسي، فمرّت سيدة مسنة تحمل كيسا ورقيا، رائحة البهارات خرجت منه كنداء. مدت الكيس وقالت ببساطة، هذا…
في صباح رطب من نيسان، كنا نستعد لوجبة السحور بصمت ثقيل بعد فقدان أمي. المطبخ كان ضئيلا، البخار يعلو من غطاء الطنجرة، ورائحة الهيل تقطع الجو كما لو كانت تذكرني ببيتها القديم. يوسف نام برأسه على حضني، وأنا أحاول أن أعد ما يكفي لنا الاثنين بيدين متعبة وقلب يميل للقلق.
طرق الجرس بهدوء. جارتنا سارة ظهرت ومعها طبق صغير ملفوف. قالت لا عليك، فقط جربوه، تسوى مثل عند…
كنت أسميها دفتر الدعاء، رباطه الأزرق متهالك من أناملي، صفحاته مقلوبة أمامي على طاولة المطبخ بينما رائحة الهيل تعلو من فنجان شاي أخضر. كنت في سنة ثالثة هندسة، والقلب يثقله انتظار رسالة واحدة. كتبت طلبات، ثم توقفت وأدرت القلم وأضفت كلمة واحدة صغيرة، شكر. قلتها بصوت خافت قبل النوم، ثم صليت الوتر، ووضعت الدفتر تحت وسادتي.
في الصباح سمعت رنة البريد، رسالة بعنوان…
صيف في جيبوتي، شهر رمضان كان يبدأ بخفوت الشمس على كورنيش المدينة. كنت أدرس للهندسة، وأشرب شاي العدس المصنوع في البيت لأبقى مستيقظة، وأفتح دفتري القديم الخاص بالدعاء عندما تصيبني لحظة ضعف. الورق كان يمتص حبر قلمي مثلما أريد أن يمتص الله همي.
في إحدى الليالي، بعد صلاة التراويح، جلست على الرصيف الحجرى والرائحة المالحة للخليج تعبق في الهواء. كتبت ببساطة: اهدني…
أعملُ معلماتٍ في مدرسةٍ صغيرةٍ بلاهور، وأتعلمُ الصبرَ كما أعلّمُهْ: سطرٌ بعد سطر. قبل أسابيع قليلةٍ جاءتْني مكالمةٌ في منتصف الحصّة؛ أبي يتكلّمُ بصوتٍ قصيرٍ: «أمّك سقطت». جمعتُ الدفاترَ بأسرعِ ما أستطيعُ، ورائحةُ الشايِّ والحجراتِ والطلاب تحوّلت إلى خلفيةٍ بعيدةٍ وأنا على الطريقِ إلى المستشفى.
الممرُ هناك كان بارداً، رائحةُ مطهِّرٍ خفيفةٌ تختلطُ ببخارِ شايٍ…
كنتَظن أن التقاعد سيجعل حساب الرزق واضحا، أما الدخل فهو رقم ثابت على ورقة المعاش، أما الباقي فذكريات من عيادة العباسية. في صباحٍ رطب، بينما أُعد ملفات المرضى القديمة وأشم رائحة الكحول والمطهر، طرق الباب وصحن كشري يفوح منه الخل والبصل المقلي يدخل معي. سامي، شاب تعرفت عليه عندما جاء للمرة الأولى مضطربا بعد نقاش عائلي عن الإسلام، الآن يبتسم بثقة لا تشبه ماضيه،…
في صباحات هرر، أستمع لصوت المؤذن وهو ينساب بين الأزقة بينما تنبعث رائحة البُن المحمص من محلي الصغير. يدي، التي غرزت إبرة في ثياب أحفادي وتسورت كمية البن لأعوام، بدأت تؤلمني بشكل مختلف هذا الشتاء. كان الخوف يزورني، الخوف من أن أُفقد قدرة العمل التي أعيش بها، وأن أفقد سكون الصباح الذي أعرفه.
تذكرت الآية التي تهمس بها أمّي في الليل، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَ…
مستشفى كونوت في فريتاون يحتفظ بروائح لا تنتهي، مطهر وقهوة وسعال الزوار. كانت المروحة فوق سريرها تطن ببطء، وترش الظل على وجنتيها التي اعتادت الشمس. وضعت يدي على صدرها، شعرت بنبض ضعيف تحت قميصها الرقيق، ورائحة الياسمين من شماغها تذكّرني بمطبخنا. قلت اللهم اشفها، ثم تكرر القول في حلقٍ جاف، لكن الكلمات بدت رقيقة جدا أمام خوف قديم.
أعيدت لي دعوة كنت أتعلمها صغير…
كنتُ أظن أن الشكر كبير عندما يكون مرتبطا بالنجاح أو بالاطمئنان الدائم. في ذلك الصباح في الدار الصغيرة في الرباط، كان المال ضيقا والأفكار تتكاثر كأوراق على الطاولة. استيقظت على صوت أذان الفجر الخافت من إذاعة قديمة، ووجدت رصيف الشارع مبللا بنفح المطر الذي نام في الليل.
رزقني الله ثلاث أطفال، أيوب ولَيلة وسارة، ونموّهم يجعل قلبي مشغولا وممتلئا في آن. رأيت رشيد،…
كنت مهندس موقع في رمضان، وأبي يقول لي منذ صغري، الرزق لا تأتي به العجلة. كنت أمسح بقايا الغبار عن رسومات التنفيذ، والرائحة الحلوة للتمور تمتد من محل صغير عند زاوية الشارع، المغاربة يصطفون على أبواب البيوت، وأذان المغرب يفلّ عليّ المكان كأن الإمساك نفسه يَهذب القلق.
في ذلك الأسبوع تأخرت دفعات من أحد العملاء، وكنت أفكر أن أقبل عملاً ليلياً بعيداً عن القاهرة ل…
أعود إلى فناء جدتي في حي المدينة كأن المدينة نفسها تتنفس بحرها، الملوحة على الشفاه والهواء ساخن حتى تصرخ أقمشة الصنادق. وقفت أمام الطاولة الخشبية، فنجان صغير لامع، ورائحة النعناع تنخر في الفضاء. كانت جدتي، مريم، تجلس على حصيرها القديم، تفرش المصحف بين يديها كأنها تحرسه، ثم تلوذ بالدعاء بصوت لا يتعب.
قبل أن أغادر السنغال لسنوات، علمتني أن أشكر لكل شيء، للصمت…
لم أتوقع أن يكون صوتي هو الذي سيكسر صمت باب الدار بعد سنوات. فتحت الباب، وارتفعت رائحة البيساب المخلوط بدخان الفحم، وكانت الضحكة التي أعرفها منذ الطفولة تخرج من فم أمي قبل أن أراها. لم نتمالك أنفسنا. هي صرخت اسمي، أنا رنَّيت ضحكًا وبكاءً في آن واحد، ثم احتضننا بعضنا حتى اختفت الحدود بين الأم والممرضة والابنة.
يدي الماهرة التي تعتني بالآخرين تحولت فورًا إلى…
في رمضان قبل ثلاث سنوات، كان الصباح في فاس يمتدّ بسكونه، والرطوبة تلتصق بحجر الزقاق. كنت بصدد تحضير درس الحفظ للأطفال، أوراق المصحف الصغيرة مرمية على الطاولة، وقصاصة ورق تحتاج طبعًا جديدًا ولا مليم في المحفظة لشراء الحبر. قلبي خفّ، لكن ذاك الهدوء الذي تعلّمته في الآيات بقي معي، وذكرت في قلبي آية كنت أقصّدها معهم: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها".
قم…
أذكر رمضان الأول الذي شعرت فيه بأن الصيام أصبح خفيفا وحلو المذاق. كنت أعود من المدرسة الهادئة في ضوء المساء، الدراسية في حقيبتي، وقراءة صغيرة من القرآن في بالي تكررت طوال النهار. الهواء في لاھور كان يحمل رائحة بصل مقلي وبهارات، وحين نزلت إلى زقاقنا رأيت الأطفال يركضون حاملين أطباقا صغيرة للجار المسن. كانت صورة بسيطة، لكنها شعرتني بأن الرزق ليس فقط ما نأكله، بل ما يصل إلى قلوبنا أيضا.\n\nوقفت أمام باب بيت أمي، وسادتها القطنية تفوح برائحة حناء قديمة، وطلعت أمي من المطبخ بيدين ممتلئتين بأكواب ماء وطبق تمر. قلت في قلبي اللهم لك الحمد، وذكرت آية صغيرة من القرآن، واندفعت حسرة قصيرة ثم تحولت إلى ضحك. قطعت تمرة، تناولتها ببطء، وقد بدا طعمها كالفرح نفسه، حلو ومشرق.\n\nالمشهد بكامله، صوت الأذان البعيد، ضحكة جارتي التي ربتت على كتفي، وكيف امتلأت نفسي بشعور أن هذا رزق من عند الله، جعل قلبي يفيض شكرًا. لم يكن إنقاذا من حاجة، بل تتويجا، لحظة صفاء فيها الصبر تحوّل إلى نعمة محسوسة. اللهم بارك.
كنتُ واقفةً على شرفة بيت جدتي في مانغشورو، والهواء ملحٌ ودافئ، يحمل رائحة السمك المشوي وحبات حبهان من قدرٍ في الداخل. كان ذلك المساء ثقيلاً مثل جسمٍ تعب من حمل سنةٍ كاملة: فقدتُ عملاً، وتباعدتُ عن صديقةٍ لها عمرٌ من الود، وشعرتُ أن قلبي صار خانقاً. المؤذّن ناداني من بعيد، ثم انطفأت أصوات السوق وغطّى الأفق لون برتقالي باهت. لم أردُ دعاءً كبيراً. جلستُ على السُلم المعدني، ووضعت راحتي على صدري، وهمستُ: ‘‘اللهم إنّي أسألك أن ترحمني، واهدني حيث اختلفتُ، واغفر لي صغيري وكبيري’’. جاءت الكلمات بسيطة، لكنها جاءت من مكانٍ نحيف فيّ. بينما أقول أستغفر الله، تذكرتُ نعم صغيرة: فنجان شاي باردٍ على الطاولة، صوت أمّي وهي تطبخ، جارةٍ تنادي طفلي باسمه بلطف. عقدتُ قائمة شُكرٍ بصمتٍ، أعدتُ عدّها مرتين، ثم شعرتُ برفقٍ في صدري، كأن شيئاً قد تراجع طفيفاً عن عنقي. لم يكن معجزةٌ صاخبة، بل نَفَسٌ رقيقٌ من شفاءٍ وندمٍ وبدايةِ توبة. تلك الليلة، تعلمتُ أن الدعاء أحياناً ينقّيُ القلب قبل أن يغيّر الظروف، ويترك أثراً لا يُرى إلا حين تعدّ نِعَمك مرتين.
كان الهواء في قاعة الجمعية مشبعًا برائحة الشاي والقهوة والهيل. كانت مطرية مانشستر تصفق على النوافذ بصوت هادئ، والبطانيات الملفوفة على المقاعد تصدر صوتًا خفيفًا كلما تحركت قدم. منذ أن اعتنقت الإسلام في مانشستر عام 2019، رأيت لحظات كثيرة تحمل قدسيتها، لكن يوم النكاح هذا كان مختلفًا. جلسنا في دائرة صغيرة، الحضور أحبةٍ من المسجد وجيران قد أصبحوا عائلة. الإمام نطق العقيقة بهدوء، ثم تتابعت الأدعية، وقلت بصوتٍ لا أتحكم فيه، الحمد لله، حتى كادت الكلمات تتحول إلى أغنية داخل صدري. أيقنت شكرًا لم يفقد بريقه، شكر يغمر كل شيء. آيشا ابتسمت، يدها دافئة عندما أمسكت بيدي. أمّي، التي كانت تدعمني ببطء منذ سنوات، أمسكت بخاتمنا وهي تبكي فرحًا بهدوء، ولم أستطع أن أظل ساكتًا. همست بالآية التي أحبها، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، ليس كذكرٍ للماضِي، بل كتأكيدٍ على لطفٍ دائم. عندما رفعنا أيدينا للدعاء، شعرت بأن قلبي يكاد يفيض شكرًا. لم أطلب عظمة، بل باركة صغيرة تعمر بيتنا، ووجدت ما أريد. كانت لحظة بسيطة، لكنها باركة، وبها حقيقي أثر الإيمان.
في صباح من صباحات هرر، استيقظتُ بثقل في الصدر، أضعف من أن أصعد إلى السوق لبيع التقايا المطرزة بيدي. التسعة أحفادي ينتظرون خبزة، والميزان في البيت فارغ تقريباً. جلستُ على العتبة حيث تشرب الشمسُ جدار الطين، وفتحت المصحف لأقرأ شيئاً يهدئ القلب. لامستُ الآية بصوتٍ خافت، "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، ثم تكررت في رأسي كما لو كانت دعاءً قديمًا لأمٍّ في العائلة. وضعتُ يدي على صدري، ودعوتُ بلبّي، حسبي الله ونعم الوكيل. بعد قليل جاء طرْقٌ حفيف، وفتحتُ. كانت فاطمة من الحي، تحمل فنجان قهوة بنّاراً وتحتها صحن خبزٍ دافئ. قالت إنها مرت وأن الخباز أرسل لها رغيفاً زائدًا فذكرتني. لم يسقط على بابي مالٌ كبير، ولم أذهب للسوق، لكن رائحة البن وأصابع فاطمة التي مدت الطبق كانت رزقًا كافياً لذلك اليوم. جلستُ، وشربت، واستمعنا معاً لصوت مقرئٍ من المنبه في بيت الجوار، وآمنتُ كم هو صغير أن يكون الرزق، وكم هو كبير عندما يُعطى بيدٍ إنسانية.
أنا من فاس. أحفظ القرآن وأعلّمه للصغار، وأكتب عن الآيات التي غيّرت أيامي. كانت ليلة ثقيلة، قلق عن أمور بسيطة حول بيتنا وشيء من استنزاف الكلمات بيني وبين يوسف. نمت بغيرة من صمت الكلام، واستيقظت مع بزوغ الفجر لأنام مرة أخرى لم أستطع. ذهبت إلى السطح لأصلي ركعتين، والهواء يحمل رائحة النعناع من ساحة الجيران، وصوت الأذان يمر يربت على الحائط القديم. تذكرت الآية التي كنت أحفظها مع الأطفال صباحا، "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"، فرتبت فوضى قلبي بكلمة واحدة، الحمد لله. عند عودتي إلى المطبخ وجدت كوب شاي موضوعا على الطاولة، الكأس صغير ومتشقّق من جهة، عليه ورقة صغيرة بخط يوسف، فيها فقط كلمة واحدة، الحمد. لم يخبرني بما يشعر، لكنه صنع لي شايه كما يفعل منذ سنوات. جلست أحتسيه، شعرت بطعم النعناع يذيب ما تبقى من ضجر. لم تتحول مشاكلنا في لحظة، لكن الشاي والورقة جعلا الامتنان يصبح جسدا. خرجت لأعلّم الأطفال بابتسامة، ومعي شكر أعمق لكل صباح بسيط يحفظ أثره.
كبرت متنقلة بين مقديشو ونيروبي، حيث رائحة الشاي المملح والبحر تختلط مع ضوء الصباح. يوم استلمنا مفتاح بيتنا الصغير، شعرت كأنني أحمل معه قصص سنوات طوال. الباب فتح، والهواء الداخل كان دافئاً من الشمس، ورائحة الطلاء الجديد خفيفة كما لو أن المنزل يخبرنا ابتدأنا الآن. فرشت سجادة الصلاة بالقرب من النافذة، شعرت بحرارة البلاط تحت قدميّ، ورائحة الداودار تذكّرني بمطبخ أمي. الأذان جاء بعجلة من المسجد القريب، صوت مرتفع لكن لطيف، مثل دعوة قديمة لأشياء جديدة. فتحت القرآن على رف، وقعت عيناي على الآية التي سمعتها منذ الصغر، لئن شكرتم لأزيدنكم، وخاطبني الكلام بصوت هادئ. وقفت لأداء الصلاة، وبدأت بالفاتحة بعينين تلمعان. عندما سجدت، لم تكن دموعي حزن، بل شكر يفيض، فرحة تصعد إلى جبين الأرض. ضحكت في السجود من الامتلاء، من امتداد نعمة بسيطة إلى بيت فيه ذكر. قلت بين نفسي، اللهم لك الحمد، وكأن الجدران نفسها تهلل معي. خرجت من الصلاة أخف وقربت أكثر مما توقعت، ممتنة حتى للصرخة الخفيفة لأوراق الشجر خارج النافذة.
أربعون عامًا مع المرضى علمتني أن الشفاء قصة إيمان قبل أن يكون دواء، لكن لم أدرك عمق الشكر إلا عندما أصبحت أنا من يسهر بجوار مريضة. كانت فاطمة على السرير في غرفة صغيرة بإيجار الشقة، رائحة المطهر تختلط برائحة الشاي البارد، ومقياس الحرارة يهمس بأرقام لم ألفها من قبل من جانب زوجي. جلستُ أمامها مثل طبيب قديم وأصغر، أقرع معصمي لقياس النبض لا لأنني لا أعلم كيفية القيام بذلك، بل لأن يدي كانت تبحث عن طمأنينة. عند منتصف الليل سمعت الأذان من بعيد، نهضتُ لصلاةٍ قصيرة على سجادة بالية تحت النافذة. تذكرت قول الله تعالى، لئن شكرتم لأزيدنكم، ولم تكن الكلمة نظرية، كانت تنبض في رأسي مع كل نفس تمنحتها فاطمة. حين فتحت عيناها ضحكت ضحكة بسيطة، ومدت يدها فأمسكتها. في تلك اللحظة انكسر شيء قديم داخل قلبي، وفهمت أن الشكر ليس حصاد النعم الكبيرة فقط، بل قراءة سورة صغيرة على شفاه من نحبها، دعاءٌ هادئ، وصمت ممتن أمام نفسٍ إضافية. قلتُ لها، اللهم لك الحمد، وشعرت أن الحمد ذاته شفاء.
ليلة مطر في كوناكري، والناقوس الخفيف للمستشفى يرن في أذني كما يرن عندي صوت الآذان من بعيد. أمي، عائشة، جالسة على السرير، وجهها ضيق لكن عينها لا تزال تعرفني. كوني ممرضة جعلتني أقرأ المؤشرات بسرعة، لكن ابنة جعلتني أقرأها ببطء، ملمس جلدها تحت كفي، رفة حاجب تعب، نفس يغطيه رائحة صابون المانجو الذي أحضرتُه لها من السوق. أغسل شعرها بماء دافئ، وأسمعها تهمس الحمد لله بعد كل رشفة من الشاي. في لحظة من الانهاك، فكرت كيف أن كل ذلك عبء، الاستيقاظ ليلاً، الأدوية، الأوراق الطبية. ثم تلمس يدها يدي، وتقول بصوت يكاد لا يسمع، لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. الكلمات كانت آية وليست مجرد تكرار. شعرت ببركة لا أستطيع قياسها، قوة صغيرة تعبر في ذراعي كلما رفعت كوب الماء، نور خفيف في زاوية الغرفة كلما قرأت لها من القرآن آية قصيرة. الشكر لم يكن موقفاً فقط، بل فعل يومي، طقوس رعاية تصبح عبادة. وعند الفجر، بينما انطفأت أجهزة المراقبة قليلاً، وجدت نفسي أبتسم، ممتنة لأنني هنا، قادرة على ترك أثر شكر في حياة من ربتني.
رمضان كان حديث المدينة، والنوافذ تفتح على دكان صغير تفوح منه قهوة الهال. كنت أعود إلى شقتنا في الخليل بعد يوم بلا عمل، وأضع المصحف على الطاولة الخشبية التي فاتتها طبقات الدهان. في الليالي التي تلت، بعد التراويح، كنت أصعد إلى السطح، أجلس على سجادة قديمة، وأفتح المصحف حيث توقفت. صوت المؤذن من جهة الحارة الأخرى يلتف مع نسيم الليل، ورائحة الياسمين تدخل من شرفة الجار. لم تكن دعواتي طويلة، كنت أقول الأشياء البسيطة بصوت مكسور: عمل ثابت، بيت صغير لأمي، أن لا ننهار. بين الآيات كنت أردد في قلبي آية حفظت طفلا، فاذكروني أذكركم، وكأنها وعد يهمس. يداي كانت متخشبتين من الطين الذي جمعته من موقع بحث عن رزق، فجعلتهما على وجهي وأبكتني كلمة واحدة، يا رب. بعد أسبوعين جاء اتصال، عرض بسيط لإصلاح سقف في بلدة قريبة. لم يكن مالا كثيراً، لكنه بدأ. في الطريق إلى العمل الأول شعرت بسلام لم أشعر به قبل، ليس لأن كل شيء تغير، بل لأن الدعاء ترك أثراً، بيت يُبنى بالدعاء قبل الحجر.
كنت إمامَ مسجدٍ صغيرٍ في حيٍّ من أحياء الخرطوم حيث تُصنَعُ القصصُ من فنجانِ قهوةٍ أسودَ ورائحةِ الكركدي عند الإفطار. في رمضان، بعد التراويح، أبقى وحيدًا أطلب من الله ما أخاف أن أعلنه بصوتٍ أعلى: شفاءُ أبي، توبتي التي أتنصّلُ منها طوالَ العام، وقسمٌ صغيرٌ من الرزق ليومٍ لا أُحمِلُ فيه أحدًا على ظهري. جلستُ على السجادة، لمستُ خيوطها الخشنة بيدي، وشعرتُ ببرودةِ البلاط تحت قدمي. تذكرتُ: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ»، آيةٌ لم تكن مجرد نصٍّ بل وعدٌ صارخ في قلبيِّ تلك الليلة. لم أغضِ الطرف عن مطالبٍ عابرةٍ، لكني غصتُ في سؤالٍ واحد: أن أعودَ إنسانًا أبسط. دعوتُ بكلماتٍ متقطّعةٍ، ثم بكيتُ بصمتٍ حتى تسلّلَ البكاء في الدعاء وصار توبةً أكثر من كونه طلبًا. حين خرجتُ، كان الفجرُ يملأ السماءِ بلونٍ نحاسيّ. لم يكن هناك إجابةٌ مُعلنة، لكنني شعرتُ بخفةٍ لم أعرفها منذ سنواتٍ، أثرُ دعاءٍ ترك علامةً صغيرةً في صدري، لتذكّرني بأنّ الأقربَ هو الذي يسمع.
وقفت هناك لبعض الوقت أراقب غروب الشمس يتسلل من خلال المسجد. لا تسرع، لا أفكر في ما يجب أن أفعله بعد ذلك. مجرد لحظة هادئة قبل الصلاة. أحيانًا لا تحتاج إلى تذكير كبير. تحتاج فقط إلى بضع دقائق لتبطئ وتدرك كم لديك بالفعل. مكان للصلاة. يوم آخر. غروب شمس آخر. الحمد لله 🤲
كنت أستقبل الفجر من شرفة بيتنا الصغير في مومباسا، المطر يقرع على الصفيح برفق، ورائحة الهيل في إبريق الشاي تغطي الزنقة. محمد خرج مبكرا للعمل، ترك لي فنجانين على الطاولة كما يفعل دائمًا، أحدهما بارد قليلا كما تحب أمي أن تقول إن القهوة لا ترى النار كي تغني. صليت الفجر بهدوء، ثم جلست. جاءني تذكّر آية كنت أرددها كطفلة، «إن شكرتم لأزيدنكم». لم يكن مجرد كلام، بل وعد يطفو في صدر الصباح. بعد الظهر عاد محمد بملابسه المبللة وورقة في يده. خسارة العقد لم تكن مفاجأة جميلة. جلسنا أمام الطاولة، هو يصنع لنفسه فنجانا من الشاي، أنا أمسح يداه بظهر المنديل. لم نتحدث عن الخوف. بدلاً من ذلك بدأت أعدّ، بصوت منخفض. قلت ما لدي من أصغر الأشياء، ثم قلتها مرة أخرى. الفنجان، السقف، ضحكته حين يحاول تقليد نغمة الآذان، النعمة أن لدينا طعاما على المائدة. بعد كل ذكر كان وجهه يلين قليلاً. لم تحل كل الأمور، لكن الشكر الذي عدّدناه منحنا مساحة للتنفس، ومن هناك بدأنا نخطط بهدوء.
أنا حليمة يوسف من حرار، وجدّة لتسعة أحفاد. قبل عامين جلست على سريري لا أستطيع أن أتنفّس بسهولة؛ السعال يسرق صوتي وكأن الأزقّة الحجرية التشية في المدينة تقفل فمي. جاءت الأيام ببطء: أدوية، مرّات زيارة للطبيب، ويد حفيدي الصغير وهو يضع مصحفًا باليًا على حجري. كانت الحروف مطموسة من كثرة القراءة، ورائحتها تذكرني ببنّنا في الصباحات. همسَ وبدأ يتلو: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». لم أكن أقوى على الترديد، لكن جملة واحدة دخلت إلى جسدي كأنها ماء بارد، شُكرٌ بداخلي يتحرّك. لم يكن الشكر احتفالًا بالخلاص، بل تقديرًا لخيط رقيق يربطني بالناس: يد الممرضة التي تضمد، فأرة صغيرة من الشمس تدخل عبر النافذة، صوت الأذان المخفف من بعيد. استسلمت للامتنان بصوتٍ خافت، «الحمد لله»، ثم جعلته دعاء: يا رب، ألهمني شكرَك في كل نفس. بعد ذلك، كلما اشتدّ عليّ التعب، أُمسك المصحف وأشعر بثقل الحروف على كفّي، وأذكر أن الشكر يمكن أن يكون أنفاسي البطيئة التي لا تزال هنا.
كنت أسوق الشاحنة بين وهران والجزائر العاصمة حين توقف الموتور فجأة على طريق ريفي ضيق. كان الصيف لاصقًا، ورائحة المازوت تعلقت بقبضتي المتشققتين. أنزلت السجاد الصغير من خلف المقعد، فرشته على رصيف حجرٍ مجاور وأخرجت مصحفي، كعادة سنوات الطريق الطويل الذي علمني الذكر والرضا بالمكتوب. جاء رجل من القرية المجاورة بحمل ماء وعلبة شاي. جلسنا على طرف الطريق، صوت رنين صحن الشاي يخطف صمت المساء. قرأت ببطء: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»، وكأن الآية تنحني لتقويني، لا لتعلمني، بل لتذكرني ما لدي من أشياء صغيرة لكنها صادقة: يديان تعملان، سقف فوق رأسي، نفس أستطيع به الدعاء. لم أحصل على موتورٍ جديد ولا معجزةٍ درامية، فقط رجلٌ غريب ومواطنان يربطان حزاما مطاطيا ليثبتان صندوق الشاحنة حتى وصل سائق آخر بالمساعدة. لكن في تلك الساعة، مع رائحة الشاي وورق المصحف بين أصابعي، صار الشكر دواءً. شعرت بشيءٍ يلتئم في صدري؛ ليس لأن الأمور تغيرت كلها، بل لأنني قبلت ما وهبني الله الآن. عدت للطريق بعدها، أبطأ قليلاً، أردد الحمد لله كما أفرغت فنجان الشاي.
في الشتاء التالي لترك فناء أبي، كان الثلج يهدأ على الأسقف المعدنية حين علمت معنى الرزق. غرفتنا الصغيرة كانت تفوح برائحة الشاي القديم وصوف مبلل. كان لدي ثلاث قطع نقد فقط، وسعال خفيف عند طفلي، وذهن مثقل بالخسارة التي ما زلت أحملها في جيبي. أمسكت معطفي لأغلق الباب، فلمحت كيس بلاستيكي مهترئ موضوعاً على العتبة. صوت أذان خفيف ارتفع من فوق، ويدي تلتقط الكيس ببطء، لم أعرف من تركه. بدا الخبز فيه كأنه يحمل حرارة أيدي أخرى، وكان هناك بيضان ملفوفان بورقة. في داخلي، قبل أن أنظر للملاحظة، همست بدعاء بسيط، يا رازق. الملاحظة كانت خطاً مرتعشاً: "من جارتك مريم، لعلي ولويلدك". جلست على الأرض، رائحة الخبز تملأ النوافذ، ولم أستطع إلا أن أضحك بصوت خافت من العجب والحزن والامتنان. لم يغير ذلك حسابي البنكي، لكنه غيّر قياس الرزق في قلبي. تعلمت أن الصبر يصبح ثوباً، وأن الرزق في لمسة إنسان عندما تكون خسارتك مثقلة بالبرد.
كنت أعود إلى البيت على كورنيش صور، البحر يطرق الحجارة بصوتٍ منخفض، والهواء مشبع برائحة قهوة الصباح وملح. قبل أسابيع فقدت عملي في الجريدة، ورائحة الحبر التي كانت تلازمني صارت تذكرني بما فات. جلست على مقعد خشبي، ثلث الليل قد انقضى، وكانت المدينة نائمة إلا من بعض السيارات المارة. لم أرد أن أقول كلمات كبيرة، فقط ذلك الدعاء الذي سمعتها من صديقة جديدة، امرأة غيّرت دينها بعد قصص طويلة عن ضياع وطمأنينة، كانت تقولها بصوتٍ خافت ثم تبكي: "رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير". ترددت ثم نطقت بها، كلمة بكلمة، شعرت بثقلها يخف، كما لو أنني أضع حقيبتي الثقيلة جانباً. لم يحدث شيء درامي بعدها، لكن في اليوم التالي تلقيت اتصالاً من زميل قديم، يريد مقالات قصيرة مقابل أجر متواضع. لم يكن رزقاً مفجّراً، لكنه كان كافياً ليوم ولأمل. حينها تعلمت أن الدعاء ليس دائماً طلب المعجزات، إنه ترتيب داخلي يسمح للرزق أن يدخل، ببطء وباحترام، تاركاً أثراً يمكنني أن أتبعه.
كنت قد تركت الصحافة قبل سنة، رغبة في بداية أخرى، لكن الحسابات لم تهدأ. في إحدى ليالي بيروت المطرية، جلست في المطبخ وأمي تصب الشاي، رائحة الهيل تعبق، والملفات المعلقة على كرسي الطعام كأنها تهمس بآجلات فواتير. شعرت بخجل أمام والدَي، هما اللذان لم يفتا صلاة منذ زمن، وأنا التي أمطرت عملي قبل أن أرتب صلاتي. بعد المغرب خرجت وحدي إلى الجامع القريب، لم أكن أحتاج إلى مناظرة أو مقال، كنت أحتاج أن أسجد. في السجود تذكرت الآية البسيطة، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ، فصرخت بصمت، اللهم ارزقنا حلالا. لم تكن معجزة صاخبة، بل لحظة هدوء جعلتني أعود إلى البيت خفيفة. في الصباح اتصلت زميلة قديمة بعقد صغير، أرسلت المقابل فوراً، دفعت قرضاً، واشتريت لبن والخبز، وجلست أنا ووالدي نشرب الشاي على الطاولة التي شهدت خوفي. رزق، كما فهمته في تلك الليلة، لا يكشف كل مراحله لنا، لكنه يزورنا بهدية بسيطة، حين نعود إلى الصلاة ونحسن النية.
أذكر رمضان الأول بعد أن فقدت عملي. كنت قد قبلت الإسلام في مانشستر عام 2019، ولم تزل الوحدة تلاحقني، خاصة عند غروب الشمس. أمطرت الشوارع، ومعطفي لا يكاد يحمي من برودة المساء، وكنت أسير إلى المركز الصغير للصلاة باحثا عن ذرة صحبة لإفطار صامت. عند الباب وقفت ألتقط أنفاسي، فمرّت سيدة مسنة تحمل كيسا ورقيا، رائحة البهارات خرجت منه كنداء. مدت الكيس وقالت ببساطة، هذا لك. لم أسأل من هي، ولم تنتظر أجوبة طويلة. داخل الكيس كان خبز ساخن، تمر، وعلبة صغيرة من الكاري. جلست على الرصيف وأكلت، والشوارع تهمس، وصوت الأذان البعيد أشعل شيئًا في صدري. لم يكن الطعام مجرد طعام. كانت الحدثة درسًا صغيرا في الرزق. تذكرت آية، إن الله هو الرزاق، وقلت في قلبي حسبنا الله ونعم الوكيل. بعد أسبوع تواصلت امرأة من المركز لأنها احتاجت شخصا لإدارة قاعدة بياناتها. الوظيفة لم تكن الحل لكل شيء، لكنها كانت بابا. منذ ذلك اليوم صار الرزق عندي أقل عن المال وأكثر عن اليد التي تمد، عن المكان الذي يجعلك تشعر بأنك مسموع.
في صباح رطب من نيسان، كنا نستعد لوجبة السحور بصمت ثقيل بعد فقدان أمي. المطبخ كان ضئيلا، البخار يعلو من غطاء الطنجرة، ورائحة الهيل تقطع الجو كما لو كانت تذكرني ببيتها القديم. يوسف نام برأسه على حضني، وأنا أحاول أن أعد ما يكفي لنا الاثنين بيدين متعبة وقلب يميل للقلق. طرق الجرس بهدوء. جارتنا سارة ظهرت ومعها طبق صغير ملفوف. قالت لا عليك، فقط جربوه، تسوى مثل عند جدتك. لم أقل شيئا في البداية. فتحت الغطاء، ودخلت رائحة اللحم المملح والبهارات إلى المطبخ، ورأيت يوسف يفتح عينيه ببطء ثم يبتسم من دون أن يعرف لماذا. جلست على الأرض وقدميّ باردتان، وأكلنا من الطبق الواحد، والملح عليه ذاب مع الدموع في عيني. تذكرت آية قرأتها قبل سنوات، من قرآني الصغير، كيف أن من يخشِ الله يرزقه من حيث لا يحتسب. لم يكن الرزق فقط ما في الطبق، بل تلك اليد التي جاءت، وذكرى أمي في نكهة الهيل، وصوت صلاة الفجر البعيد الذي دخل بين نوافذ البيت. وضعت كفي فوق وجهي، ودعوت بدعاء بسيط ليس للغنى، إنما للشكر، لأن الرزق جاء في صورة لا توقعتها، وتركت أثره داخلنا.
كنت أسميها دفتر الدعاء، رباطه الأزرق متهالك من أناملي، صفحاته مقلوبة أمامي على طاولة المطبخ بينما رائحة الهيل تعلو من فنجان شاي أخضر. كنت في سنة ثالثة هندسة، والقلب يثقله انتظار رسالة واحدة. كتبت طلبات، ثم توقفت وأدرت القلم وأضفت كلمة واحدة صغيرة، شكر. قلتها بصوت خافت قبل النوم، ثم صليت الوتر، ووضعت الدفتر تحت وسادتي. في الصباح سمعت رنة البريد، رسالة بعنوان تهانينا. لم أعد أتذكر كيف وصلت إلى الشرفة، فقط شعرت هواء البحر المالح من كورنيش منجم البشرية يلامس وجهي، والآيات التي حفظتها تبرق في ذهني، إن شكرتم لأزيدنكم. انهمرت دموعي ببطء، ليست دموع فرح مفرط، بل دموع تعرف أصول النعمة. اتصلت أمي، صوتها هادئ، قالت فقط مبروك وابتسمت في الاتصال كما لو أن الحب يكفي. جلست على الأرض، ورجعت إلى صفحة الشكر، كتبت ثلاثة أمور صغيرة أضيئ بها اليوم، ضحكة أمي، فنجان الشاي، آية في القرآن. شعرت أن الشكر يترك أثرا بسيطا، كما لو أن قلبي صار أكبر قليلا.
صيف في جيبوتي، شهر رمضان كان يبدأ بخفوت الشمس على كورنيش المدينة. كنت أدرس للهندسة، وأشرب شاي العدس المصنوع في البيت لأبقى مستيقظة، وأفتح دفتري القديم الخاص بالدعاء عندما تصيبني لحظة ضعف. الورق كان يمتص حبر قلمي مثلما أريد أن يمتص الله همي. في إحدى الليالي، بعد صلاة التراويح، جلست على الرصيف الحجرى والرائحة المالحة للخليج تعبق في الهواء. كتبت ببساطة: اهدني ركزا، واجعلني أتمكن من الامتحان. لم أطلب معجزات، فقط صوت هادئ في داخلي لأركز على المسائل التي أمامي. في صباح الامتحان، كان القلق يضغط على صدري. ثم تذكرت الآية التي كنا نتلوها مع أمي، فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. قلتها بصوت خافت قبل أن أدخل القاعة. بدأت الأسئلة تطوى أمامي كما تطوى الأوراق، وكنت أعرف الإجابات واحدة واحدة. لم يكن جوابا صاخبا من السماء، بل شعورا بسيطا بأن يدا داخلي ترتب أفكاري. بعد الامتحان، فتحت بريدي الإلكتروني فوجدت رسالة قبول لفرصة تدريب صغيرة تناسب صيامي ودرسي. كتبت في دفتري سطرا واحدا، شكرًا، يا رب. تلك الورقة بقيت معي، وخالفت صمت الخوف بحضور هادئ.
أعملُ معلماتٍ في مدرسةٍ صغيرةٍ بلاهور، وأتعلمُ الصبرَ كما أعلّمُهْ: سطرٌ بعد سطر. قبل أسابيع قليلةٍ جاءتْني مكالمةٌ في منتصف الحصّة؛ أبي يتكلّمُ بصوتٍ قصيرٍ: «أمّك سقطت». جمعتُ الدفاترَ بأسرعِ ما أستطيعُ، ورائحةُ الشايِّ والحجراتِ والطلاب تحوّلت إلى خلفيةٍ بعيدةٍ وأنا على الطريقِ إلى المستشفى. الممرُ هناك كان بارداً، رائحةُ مطهِّرٍ خفيفةٌ تختلطُ ببخارِ شايٍ يُعدُّ خلفَ نافذةٍ ضيّقة. جلستُ بجانبِ سريرِ أمّي؛ يدها الرقيقة تحتَ جبسٍ بسيطٍ. عندما غابت الأخبارُ وامتدّ الانتظار، فتحتُ كفيّ وردّدتُ بصوتٍ خافٍ: «يا أرحم الراحمين، اشفِها». عادتْ إلى ذهني كلماتُ القرآنِ التي كان أبي يهمسها: «فإن مع العسر يسرا». ساعاتٌ من الانتظار، ثمّ جاء الطبيبُ بوجهٍ هادئٍ: ليستْ حاجةٌ لعمليةٍ، فقط راحةٌ ودواءٌ. لم تكن تلكْ استجابةً فوريةً خياليةً، لكنّها كانتُ دعاءً تفتّحَ على بسمةٍ صغيرةٍ من أمّي؛ وهنا تحرّرتُ من ثقلِ الخوف. تذكّرتُ أنّ الدعاء ليسَ وعداً بصوتٍ عالٍ، بل خيطٌ ناعمٌ يربطُ بين صبرِنا ونورٍ صغيرٍ يظهر في بيتٍ عاديٍّ. في صباحِ يومٍ آخر، عدتُ إلى صفي والطلاب، ومعي قلبٌ قادرٌ أكثر على التحمّل.
كنتَظن أن التقاعد سيجعل حساب الرزق واضحا، أما الدخل فهو رقم ثابت على ورقة المعاش، أما الباقي فذكريات من عيادة العباسية. في صباحٍ رطب، بينما أُعد ملفات المرضى القديمة وأشم رائحة الكحول والمطهر، طرق الباب وصحن كشري يفوح منه الخل والبصل المقلي يدخل معي. سامي، شاب تعرفت عليه عندما جاء للمرة الأولى مضطربا بعد نقاش عائلي عن الإسلام، الآن يبتسم بثقة لا تشبه ماضيه، يقول إنه بائع كشري. يقدم لي الصحن ويضع ظرفا صغيرا بين يدي، بداخله نقود قليلة ومذكرة بخطٍ يدوي: بارك الله فيك. لم تكن النقود قيمة مالية، كانت ثقل تأكيد. حين فتحت الصحن، غمرتني رائحة العدس والخل كأنها وعد بأن ما نقص لن يبقى. جلست آكل وأتذكر دعائي في سجودي البسيط، وأقول بلا عظمة: وما بكم من نعمة فمن الله. في ذلك اليوم فهمت أن الرزق لا يقاس براتب فقط، بل بوجوهٍ تعيد لك أثر ما بذلته عندما كنت تعمل، بدعاء صامت أو صحن ساخن يدخل البيت.
في صباحات هرر، أستمع لصوت المؤذن وهو ينساب بين الأزقة بينما تنبعث رائحة البُن المحمص من محلي الصغير. يدي، التي غرزت إبرة في ثياب أحفادي وتسورت كمية البن لأعوام، بدأت تؤلمني بشكل مختلف هذا الشتاء. كان الخوف يزورني، الخوف من أن أُفقد قدرة العمل التي أعيش بها، وأن أفقد سكون الصباح الذي أعرفه. تذكرت الآية التي تهمس بها أمّي في الليل، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. ذهبت إلى المصلى، ركعت للسجود وقلت بسيطاً، يا رب اشف يدي وهبني الصبر. لم أقل أكثر. عدت إلى المحل، وأثناء طحن البن سمعتهن يضحكن، أحفادي يلهون عند باب الدكّان. جاءت جارتنا مريم مع كوب زنجبيل، أمسكت يدي برفق ومَسحت مكان الألم. لم يحدث شفاء صاعق، بل مساعدة صغيرة استمرت. استعدت عملي ببطء، تعلمت أن الدعاء لا يختصر على طلب المعجزة، إنه أثر يترك أثر في قلبك وفي أيدي من حولك. الآن، عندما أعد البُن لصبي صغير، أقول الدعاء نفسه بصوت هادئ، وأشعر أن الإيمان يترك أثره في كل حبة بن أنضيئها.
مستشفى كونوت في فريتاون يحتفظ بروائح لا تنتهي، مطهر وقهوة وسعال الزوار. كانت المروحة فوق سريرها تطن ببطء، وترش الظل على وجنتيها التي اعتادت الشمس. وضعت يدي على صدرها، شعرت بنبض ضعيف تحت قميصها الرقيق، ورائحة الياسمين من شماغها تذكّرني بمطبخنا. قلت اللهم اشفها، ثم تكرر القول في حلقٍ جاف، لكن الكلمات بدت رقيقة جدا أمام خوف قديم. أعيدت لي دعوة كنت أتعلمها صغيرا في المسجد، لم تكن مجرد كلمات، كانت طريقة لأضع ما أحتفي به من قلق بين يدي الله. قلت بغير طقوس، بلسانٍ مكسور، اللهم إن كان في شفائها خير فأنت أعلم، وإن كان صبرا لنا فاجعله سهلا علينا. لم ينتقل الألم بعيني، لكنه خفّ في صدري. خرجت لأتنفّس، سمعت أذان العصر من مسجد قريب، وصوت جارٍ يطرق الباب حاملا طبق نِريج، قالت له أُمّ مُمرضة بعينٍ مبتسمة، "كُلّو، هذا خير". جلست بجانبها ثانية وأخذت أتوكّل، ليس لأن قلقي اختفى، بل لأن شيء في قلبي صار يثق بيدٍ أكبر من يدي.
كنتُ أظن أن الشكر كبير عندما يكون مرتبطا بالنجاح أو بالاطمئنان الدائم. في ذلك الصباح في الدار الصغيرة في الرباط، كان المال ضيقا والأفكار تتكاثر كأوراق على الطاولة. استيقظت على صوت أذان الفجر الخافت من إذاعة قديمة، ووجدت رصيف الشارع مبللا بنفح المطر الذي نام في الليل. رزقني الله ثلاث أطفال، أيوب ولَيلة وسارة، ونموّهم يجعل قلبي مشغولا وممتلئا في آن. رأيت رشيد، زوجي، يصلّي الفجر على سجادة مرتبكة، ثم يعود إلى المطبخ ليحضر فنجانين من الشاي بالنعناع. كان يديه مرنتين من العمل، ومع ذلك تحركتا برفق وهو يضع الفنجان أمامي. المذياع كان يقرأ من القرآن مقطعاً قصيرا، ووقفت الكلمات عند آية أعرفها جيدا، وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا. جلست إلى الطاولة، شممت البخار، وتذكرت كيف كنت أبكي الليلة الماضية من الخوف. قلت، بدون مبالغة ولا كلام كثير، الحمد لله. لم تتغير الحال بين لحظة وأخرى، لكن شيء في صدري انشرح. كان الشكر حينها بسيطا، فنجان شاي، صوت قرآن، ويدان في مطبخنا. أثر يبقى، يذكرني أن الشكر ليس حسابا للحظوظ، بل اختيارات صغيرة في صباح واحد.
كنت مهندس موقع في رمضان، وأبي يقول لي منذ صغري، الرزق لا تأتي به العجلة. كنت أمسح بقايا الغبار عن رسومات التنفيذ، والرائحة الحلوة للتمور تمتد من محل صغير عند زاوية الشارع، المغاربة يصطفون على أبواب البيوت، وأذان المغرب يفلّ عليّ المكان كأن الإمساك نفسه يَهذب القلق. في ذلك الأسبوع تأخرت دفعات من أحد العملاء، وكنت أفكر أن أقبل عملاً ليلياً بعيداً عن القاهرة لأسدّد بعض الالتزامات. جلست فوق صندوق أدواتي، وفتحت كتيب صغير عليه آية استمعت إليها مع أبي، ومن يتق الله يجعل له مخرجا. همست بدعاء قصير، اللهم ارزقني فيما تحب وترضى. عندما عدت إلى البيت، كانت هند قد أعدت صحن فول بسيط ووضعت قطعة خبز فوقها، وتركت ورقة صغيرة تقول لا تتعجل. لم أكن أحتاج لتفسير طويل، كان صوتها كأنه يقص حبل الخوف داخل صدري. بعد أيام قليلة جاء اتصال من مهندس قديم تذكّر تفصيل صغير ساعدته يوماً، وعرض عليّ مشروعاً ثابت الأجر. لم تكن معجزة، كانت أثر صبر، أثر دعاء، أثر خبز وورقة. رزق يأتي خفيفاً أحياناً، يبقى أثره في المكان طويل.
أعود إلى فناء جدتي في حي المدينة كأن المدينة نفسها تتنفس بحرها، الملوحة على الشفاه والهواء ساخن حتى تصرخ أقمشة الصنادق. وقفت أمام الطاولة الخشبية، فنجان صغير لامع، ورائحة النعناع تنخر في الفضاء. كانت جدتي، مريم، تجلس على حصيرها القديم، تفرش المصحف بين يديها كأنها تحرسه، ثم تلوذ بالدعاء بصوت لا يتعب. قبل أن أغادر السنغال لسنوات، علمتني أن أشكر لكل شيء، للصمت مثلما أشكر للأحزان. في ذلك الصباح، كنت أثقل قلبيا، أحمل أخبارا لا أريدها، وأتردد في البوح. قالت لي بصوتها المعتاد، ضع كوب الشاي ولا تبتعيك الهموم، واحفظي هذا: لئن شكرتم لأزيدنكم. تذكرت الآية دون أن أبحث عنها، فمرّ طيف كل نعمة صغيرة مرت عليّ، ضحكة أخي، خيطان الشمس على شرفة بيتي في دار السلام، ورائحة السمك المقلي من السوق. وضعت يدي على جبين جدتي، قالت: الحمد لله على كل حال. شعرت بمد يدٍ تغمرني من الشكر، ليس لأن كل شيء أكمل، بل لأن قلبي عاد ليعرف وجهه. قرأت آية من المصحف ببطء، وبعد كل كلمة، نما شكر في صدري. خرجت إلى الشارع بخفة، أمسكني الفجر كأنه وعد، وتذكرت أن الشكر فعل، ليس مجرد كلمة.
لم أتوقع أن يكون صوتي هو الذي سيكسر صمت باب الدار بعد سنوات. فتحت الباب، وارتفعت رائحة البيساب المخلوط بدخان الفحم، وكانت الضحكة التي أعرفها منذ الطفولة تخرج من فم أمي قبل أن أراها. لم نتمالك أنفسنا. هي صرخت اسمي، أنا رنَّيت ضحكًا وبكاءً في آن واحد، ثم احتضننا بعضنا حتى اختفت الحدود بين الأم والممرضة والابنة. يدي الماهرة التي تعتني بالآخرين تحولت فورًا إلى ثوب طفل، أطبطب على ظهرها وأكشف عن جبينها لأقبلها. قلت بصوت مكتوم، الحمد لله، وهذه الكلمة كانت كدعاء طويل ترك أثره في صدري. شعرت بأن هذا اللقاء رزق، ليس بالمال بل ببركة تملأ البيت: وقت مشترك، أوقات للجلوس، للحديث، لملء الصحون واسترجاع الوصفات. الجار جاء بخبز ساخن، جارتي جلبت أكواب البيساب، وصرخات الفرح تحولت إلى رقص تحت شمس المساء. في لحظة، جلست أمي وتمسح يدي بين يديها، وقالت ببساطة، بارك الله لكِ في عملك. دموعي كانت من شكر، وضحكاتنا كانت من امتنان. هذا الرزق كان يجري في عروقنا، ويترك أثرًا لن ينمحى.
في رمضان قبل ثلاث سنوات، كان الصباح في فاس يمتدّ بسكونه، والرطوبة تلتصق بحجر الزقاق. كنت بصدد تحضير درس الحفظ للأطفال، أوراق المصحف الصغيرة مرمية على الطاولة، وقصاصة ورق تحتاج طبعًا جديدًا ولا مليم في المحفظة لشراء الحبر. قلبي خفّ، لكن ذاك الهدوء الذي تعلّمته في الآيات بقي معي، وذكرت في قلبي آية كنت أقصّدها معهم: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها". قمت بصلاة ركعتين، ونطقت بهدوء، "اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا"، ثم فتحت الباب لاستقبال الأولاد. جاء يوسف، يده ترتعش وهو يمرّر كيسًا ورقيًا صغيرًا، رائحة الحريرة من المطبخ المجاور تمتزج بصوت ضحكته. داخل الكيس كان بعض الدراهم وورقة كتبتها أمه، تقول إن هذه بركةٌ من قلبٍ ممتن. جلست على الطاولة، وابتلعت دمعة لم أتوقعها. لم يكن المال كثيرًا، لكنه كان بالضبط ما احتجته لنسخ الصفحات. نظرت إلى الأطفال، وأحسست أن الرزق لا يقتصر على حسابات مصرفية، بل يمر عبر الأيادي والقلوب. في تلك اللحظة، عرفّت كيف أن الحب والعطاء الصغير يمكن أن يبدّل نهارًا كاملًا.
1 د·2 months ago
111
هل لديك قصة تنتمي إلى هذه المجموعة؟ شاركها مع من يبحث عن أثرٍ يشبه أثرك.